"هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا" [1] .
ثم إن الإسلام يأمر المسلمين بأن يعدوا ما استطاعوا من قوة لأعداء الله. فكيف يتم إعداد القوة إذا انصرف الناس عن عمارة الأرض؟ وكيف تتم إطاعة أمر الله؟
كلا! إنما الذي ينهى عنه الإسلام هو الفتنة بمتاع الأرض التي تبعد الإنسان عن الإيمان أو عن الجهاد .. عندئذ تصبح الدنيا جيفة كما يصفها الرسول -صلى الله عليه وسلم، ويصبح طلابها -أي الذين يطلبونها على حساب الآخرة وينسخلون بها عن الإيمان أو عن الجهاد -كلابًا كالكلاب!
أما الرضى بالظلم في الحياة الدنيا وتخدير المشاعر عن دفعه بالتمنية بنعيم الآخرة فهذه السورة ترد ردًا حاسمًا عليه في آيات سيجيء ذكرها في السياق:
"إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا".
ونعود الآن إلى السياق، فنجد الحديث مستمرًا إلى أولئك الذين يقولون"رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ".
لقد قال لهم من قبل إن متاع الدنيا الذي يحرصون عليه ويتركون الجهاد من أجله أو يتمنون تأجيله، هو متاع قليل. والآن يخبرهم أنه -على قلته- منته إلى نهاية حتمية:
"أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ"!
وتلك حقيقة يدركها الناس جميعًا لأنهم يرونها رأي العين. ولكنهم مع ذلك ينسونها! تلهيهم لحظة المتاع فينسون نهايته، أو يتغافلون عنها ويحسبون أنها بعيد! لن تجيء الآن! لن تجيء حتى يشبعوا من هذا المتاع المتاح بين أيديهم اللحظة! ولكنهم في الحقيقة لا يشبعون! ثم تأتيهم النهاية التي يفزعون منها ويتمنون -في خيالهم- ألا تكون!
والنص يوقظهم يقظة حاسمة إلى الحقيقة، ويجسمها لهم تجسيما لا يدع لهم مفرًا من مواجهتها، ليستقر في حسهم تمامًا أن متاع الدنيا قليل، حتى لا يتحسروا عليه حين يذهب بعضه أو كله في الجهاد في سبيل الله!
أما بقية الآية فربما كانت تتعلق بطائفة أخرى من الطوائف الموجودة داخل الصف المسلم، هي فريق المنافقين الذين قال عنهم -هم وأمثالهم- في أحد:"وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ..." [2] .
أما هنا فيقول عنهم:
".. وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا".
والواقع أن الآية لا تقول من هم على وجه التحديد. هل هم نفس الفئة الأولى التي تقول:"رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ"أم فئة أخرى، وهو الأرجح؟
(1) سورة هود: 61.
(2) سورة آل عمران: 154.