ثم يصور حالتهم الراهنة من داخل نفوسهم:"فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً".
ويحكي قولهم في تعبير مصور:"وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ".
ثم يرد عليهم بما يكشف العلة الحقيقية لهذا الموقف المتقاعس المتثاقل المتلهف على تأجيل القتال ولو إلى أجل قريب:"قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلًا".
إن العلة كلها كامنة في متاع الأرض المستحوذ على حسهم، يريدون أن يستزيدوا منه إلى آخر قطرة متاحة! ويتلهفون على كل لحظة يمكن أن يضيفوها إليه، ويتمنون على الله أن يمهلهم فيه أطول وقت قبل أن يفقدوه أو يتعرضوا لفقدانه.
والقرآن يرد عليهم في عبارات ثلاث حاسمات:
"قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى""وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلًا".
متاع الدنيا قليل مهما بدا للحس المتطلع أنه كثير! قليل بالقياس إلى متاع الآخرة بل إنه قليل في حس المتطلع إليه في الحياة الدنيا. فما من أحد ممن ينقطعون للحياة الدنيا يحس بالاستكفاء بما بين يديه من المتاع! إنما يبحث دائمًا عن المزيد. ويحس أن المتاع الذي يتمناه، والذي لم يستحوذ عليه، أكبر مما بين يديه وأشهى وأمتع! وهكذا يحس بقلة المتاع مهما غرق فيه! وذلك فضلًا عن أنه دائمًا متاع مشوب .. مشوب على الأقل بالخوف على ضياعه والقلق الدائم من الحرمان منه! وهذا إن صفا للإنسان في الأرض متاع خالص من المنغصات!
والآخرة -لمن اتقى- خير من ذلك المتاع الأرضي الزائل الزائف الذي يحرص عليه الناس في الأرض! خير من كل وجهة تخطر على البال. خير في نوعه وفي صفائه وفي شفافيته وفي خلوده وفي الطمأنينة فيه والطمأنينة على دوامه وعدم انقطاعه، وخير في الإحساس بالقرب من الله، والتمتع برضوان الله .. وخير في الإحساس بأنها المستقر الأخير بعد رحلة التعب والعذاب!
ولا ظلم عند الله. إن كل متاع يحرم منه الإنسان في الأرض -من أجل سبيل الله- لا يضيع! إنها ليست خسارة يتحسر عليها الإنسان. بل هي -بميزان الربح والخسارة- كسب أي كسب. الحسنة بعشر أمثالها .. إلى سبعمائة ضعف! والجهاد في سبيل الله -بالذات- هو أكبر الأشياء أجرًا عند الله. ومن ثم فلا ظلم ولا خسارة على الإطلاق.
ولكن ..
هل هي -كما يحسب الجاهلون حين يقرأون مثل هذه الآيات- دعوة إلى ترك الحياة الدنيا والانصراف عنها إلى الآخرة؟ أو -كما يحسب من هم أشد منهم جهلًا- دعوة إلى الرضى بالظلم والعذاب في الدنيا، مع التمنية بنعيم الآخرة! أو بعبارة أخرى كما قال ماركس: الدين أفيون الشعوب؟!
كلا! لا شيء من ذلك على الإطلاق.
إنما الأمر كما بيناه من قبل في عرض سورة آل عمران. إن الدنيا لا تذم في القرآن إلا في موضعين اثنين: حين يكون متاع الدنيا هو الذي يصد الإنسان عن الإيمان أو حين يكون هو الذي يصده عن الجهاد في سبيل الله. عندئذ يكون متاعًا حرامًا على صاحبه، ثم إنه يورده مورد الهلاك في الآخرة. أما فيما عدا ذلك فتوصية القرآن الصريحة هي:
"قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [1] .
"وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا" [2] .
(1) سورة الأعراف: 32.
(2) سورة القصص: 77.