تقرير حقيقة أنهم حيثما قاتلوا فهم يقاتلون في سبيل الطاغوت، سواء كانوا يقاتلون الإسلام والمسلمين -وهذا ظاهر- أو كانوا يقاتل بعضهم بعضا. فما يقاتلون وما يتقاتلون إلا مخالفين عن أمر الله! فما داموا قد كفروا بالله ورسوله ابتداء فلا يمكن أن يقاتلوا في سبيل الله! وكل قتال في غير سبيل الله، أي في غير سبيل الإسلام، فهو في سبيل الطاغوت أيًّا كان الشعار الذي يرفع له واللافتة التي توضع عليه. ولقد استحدثت الجاهلية المعاصرة ألوانًا شتى من الشعارات واللافتات لتقاتل تحتها وتبرر ما يقع من القتل والدمار والتخريب، الذي يقع كله لحساب فئة محدودة من الناس، ويروح في سبيله"من يروح من بقية الناس! فمرة قالت في سبيل"الحرية"، ومرة قالت في سبيل"الديمقراطية"، ومرة قالت في سبيل"القيم الإنسانية!"وكلها شعارات زائفة تخفي ما وراءها من مصالح أرضية بحتة، وصراع على تلك المصالح وحشي! ومرة قالت في سبيل"القومية"ومرة في سبيل"الوطنية"ولعل من أصدقها جميعًا قولهم"في سبيل التراب الوطني!"ألا ما أتفه التراب، وأولئك الذين يقاتلون من أجل التراب!"
كلها في سبيل الطاغوت .. والطاغوت هو كل شيء يتوجه إليه الناس بالعبادة والطاعة من دون الله!
والسياق يقرر هذه الحقيقة، ويبينها كذلك. يبينها للفريقين في آن واحد. للكافرين ليعرفوا حقيقتهم وحقيقة أهدافهم، فلعل منهم مخدوعين إن عرفوا الحقيقة يثوبون. وللمؤمنين ليطمئنهم إلى أن طريقهم هو الحق وطريق أعدائهم هو الباطل، ليكمل ذلك بهذا التوجيه:
"فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا".
وذلك لكي لا يرهبوا أعدائهم، ولكي ينطلقوا في القتال -بعد إعداد العدة كما أمر الله- مطمئنين إلى صلابة القاعدة التي يقفون عليها، وتهاوي القاعدة التي يقف عليها أعداؤهم، فضلًا عن ضلال أولئك الأعداء لأنهم"أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ". ومطمئنين كذلك -إن أعدوا العدة كما أمرهم الله- إلى أن الله هو مولاهم وهو ناصرهم. لأن كيد الشيطان مهما تجبر فهو ضعيف بالقياس إلى كيد الله.
ثم ينتقل السياق -في إطار الموضوع ذاته وهو موضوع القتال- إلى فئة من الناس كانت متحمسة للقتال في مكة حيث كان الأمر الرباني هو"كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ"فلما كتب عليهم القتال إذا هذه الفئة تتقاعس وتتثاقل:
"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلًا".
والظاهر من السياق أنها فئة من المؤمنين لا من المنافقين، ولكنها فئة ضعيفة الإيمان. ربما كانت تدفعها لطلب القتال في مكة دوافع الحمية التي كانت من صفات العرب في جاهليتهم، وكانت بقية منها ما تزال باقية في نفوسهم. أو ربما كانت على إلف بذلك القتال الفردي الذي كان يجري في الجاهلية من قبل. وأيًّا كانت أسباب حماستهم للقتال يومئذ، فإنهم حين انتقلوا إلى المدينة وأمنوا على أنفسهم وعلى عقيدتهم لم تعد عندهم حماسة للقتال! بل ركنوا إلى متاع الحياة الدنيا يحرضون عليه ويخافون أن يضيّعه عليهم القتال!
والسياق يعجّب من حالهم بادئ ذي بدء:"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ..".