الصفحة 336 من 379

فعطف المستضعفين في النص على سبيل الله:"فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ"ليس تثنية للسبيل ولا لوجهة القتال، فإنما هو سبيل واحد ووجهة واحدة. إنما هي إشارة إلى أن القتال لإنقاذ المستضعفين من الرجال والنساء والولدان من المسلمين هو قتال في سبيل الله. وإشارة من الجانب الآخر إلى أن سبيل الله لا يؤمّن حتى يستنقذ المستضعفون من الرجال والولدان من المسلمين في أي بقعة من بقاع الأرض.

والتعبير الثاني هو قوله تعالى حكاية عن قول أولئك المستضعفين:"رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا ..".

إن القرية المشار إليها هي مكة المكرمة.

وواضح أنا لتعبير لم يقل: ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالمة ..

وفي غير هذا الموضع بالذات يصف القرآن القرية ذاتها بالظلم:

"فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ .." [1] .

"وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ .." [2] .

"وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ..." [3] .

ولكن هذه القرية -مكة- تكرّم فلا يقال لها القرية الظالمة! إنما يقال لها:"الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا"فيختص أهلها -وقتئذ- بالظلم- وتبقى هي مكرمة كما شاء لها الله!

"الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا".

بالنسبة للذين آمنوا هو تقرير حقيقة وتوجيه في ذات الوقت!

تقرير حقيقة أن الذين آمنوا -حيثما قاتلوا- فهم يقاتلون في سبيل الله. سواء كان قتالهم لاستنقاذ المستضعفين المظلومين كما هي المناسبة هنا، أو هي دفع عدوان الكفار كما يجيء في مناسبات كثيرة، أو هي إزالة القوى التي تقف في سبيل الدعوة ممثلة في حكومات جاهلية ونظم جاهلية وجيوش تحمي هذه الحكومات والنظم، مع عدم إكراه الناس على الدخول في الإسلام، ومع إقامة شريعة الله والتمكين لها في الأرض:"حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه".. فكل ذلك في سبيل الله، وهو السبيل لتأمين سبيل الله. فهذه طمأنة لقلوب المسلمين -وهم يقاتلون في أي هذه السبل ولأي من هذه الغايات- أنهم يقاتلون في سبيل الله، والله مولاهم في قتالهم هذا فيهب لهم الشهادة أو النصر بما هو سابق في علمه وتقديره، ويهب لهم في جميع الحالات نعيم الجنة والرضوان.

وفي الوقت ذاته هو توجيه للمؤمنين أن قتالهم ينبغي أن يكون دائمًا في سبيل الله، فإنه لا يُقبل منهم قتال في غير هذا السبيل، ولا يجوز لهم أن يقاتلوا تحت أي راية غير راية الإسلام، أو لهدف غير أهداف الإسلام.

وأما بالنسبة للذين كفروا فهو تقرير حقيقة وبيان في ذات الوقت لهذه الحقيقة.

(1) سورة الحج: 45.

(2) سورة الحج: 48.

(3) سورة الكهف: 59.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت