الصفحة 335 من 379

وحين نعود إلى التوجيه التربوي نجد الصورة على هذا الوضع: فالخطاب يوجه إلى الجميع كما قلنا، بما فيهم الضعفاء والأقوياء، ثم يصف أفعال الضعفاء دون أن يشير إليهم بأعيانهم ليتيح لهم فرصة العودة، ثم بعد ذلك يهملهم! يهملهم ليشعروا بالإثم -فيما بينهم وبين أنفسهم- ويتوجه بالخطاب إلى الفئة القوية المستقيمة، أو بالأحرى إلى الصفة المطلوبة التي ينبغي أن يتصف بها الصف المسلم كله، وهي بيع الحياة الدنيا بالآخرة، ومن ثم الإقبال على القتال في سبيل الله. وهو توجيه مقصود به أولئك الذين أُهْمِلوا أيضًا، ليتحولوا من موقفهم إلى الموقف المرغوب! ولكنهم لا يُذكرون بأعيانهم! إنما يوجّه الخطاب إليهم ضمنًا ليستمع منهم من يريد أن يستمع فيستقيم! إنه تنديد بالموقف الأول دون تجريح لأشخاص بأعيانهم، وإشادة بالموقف الآخر للتشجيع!

ثم يلفت نظرنا في الآية تقديم القتل على الغلبة والنصر:"وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا". وكان المتوقع -ما دام المقام مقام الاستحثاث والشجيع- أن يذكر النصر أولًا: ومن يقاتل في سبيل الله فيغلب .. ثم يؤخر ذكر القتل، الذي تنفر منه النفوس قبل أن يتملكها الإيمان الحق وتخلص كلها لله، حتى لا يكون ذكره دافعًا إلى تردد من يتردد! ولكن التوجيه الرباني الحكيم يأتي على غير ذلك، ويسبق ذكر القتل هنا بالذات على الغلبة والنصر!

إنها التربية على الأفق الأعلى .. أفق العزيمة .. وأفق التجرد والخلوص لله!

إنه لا يغري بالنصر لاستحثاث المتثاقلين، حتى إذا كانت الهزيمة من نصيب المسلمين نكص منهم من ينكص على عقبيه!

إنما يضع المسألة في وضعها النفسي -والتربوي- الصحيح. إن المنطلق الحقيقي للقتال ينبغي أن يكون هو التجرد الكامل لله، وبيع الحياة الدنيا كلها -حتى بما فيها رغبة النصر، ورغبة التمكين في الأرض -لتشترى بها الحياة الأخرى، ويشترى بها رضوان الله.

وفي واقعية كاملة يقول الإسلام للذين يربيهم إنكم ذاهبون للقتال في سبيل الله، ومعرضون أن تموتوا هناك.

وذلك أفعل في تربيتهم -على الأفق الأعلى- من ذكر النصر مسبقًا لتشجيع الهمم واستحثاث المتثاقلين! فإن الذي يذهب ليموت لن يتغير موقفه حين يمنّ الله عليه بالنصر، ولكن الذي يذهب للنصر والغنيمة يتغيّر موقفه كثيرًا حين تحدث الهزيمة!

والله أعلم بطبيعة النفوس، وبالتوجيه الذي يُصْلِح النفوس!

"وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا".

هنا يجيء الاستحثاث في مكانه، بعد توضيح القاعدة الشعورية وتمكينها. وهو ليس استحثاثًا بمغنم شخصي يناله المقاتلون! إنه استحثاث بقيمة من القيم العليا التي تتجه إليها النفوس العالية على الأفق الأعلى، وهي نصرة المستضعفين والمظلومين.

ويلفت نظرينا في النص تعبيران.

الأول هو قوله تعالى:"وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ ...".

إن القتال كله في الإسلام إنما يكون في سبيل الله، ولا شيء غير سبيل الله، وهذا هو العنوان الدائم له في القرآن والحديث:

"وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه .." [1] .

"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" [2] .

(1) سورة الأنفال: 39.

(2) أخرجه البخاري ومسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت