"وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا، وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا".
وصف دقيق لحالة نفسية تنبع منها حركات وتصرفات!
"وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ ..".
والتعبير من الوجهة البلاغية دقيق التصوير لعملية الإبطاء. فلو قال -حتى مع التوكيد- وإن منكم لمن يبطئ لتغيرت الصورة وتغير وقعها في الحس إلى حد كبير، لأن التعبير يصبح"أسرع"كثيرًا من وضعه في النص، ومن ثم لا يكون بذات الدرجة من الدقة في تصوير حالة الإبطاء. ولكنه بصياغته في النص يعطي الصورة كاملة باللفظ والمعنى جميعًا. فإنك حين تفرأ النص لا تملك أن تسرع في نطقه، لأن الحركات المتتابعة تستوقفك وتحدد من سرعتك! وذلك من الإعجاز! وإنك لتكاد -على نغمة التعبير- أن تجسم في خيالك صورة ذلك الشخص المخالف المتردد الذي يتثاقل في خطوه ويتثاقل حتى يتوقف! وتتباعد المسافة بينه وبين الصف كلما تباطأ، حتى ينصرف المقاتلون ويبقى هو وحده قائمًا، فيتنفس الصعداء، ثم ينصرف فرحًا بتخلصه من الورطة! فإذا جاءت الأنباء بوقوع القتل في صفوف المسلمين حمد لنفسه ما فعل وفرح به، وصاح في نفسه:"قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيدًا!"أما إن عاد المسلمون مظفرين يحملون الغنيمة والنصر، فعندئذ يتحسر على أن فرصة آمنة غانمة قد فاتته، وضاع عليه نصيبه منها! فقد كان يملك أن يذهب مع من ذهب ثم يعود دون أن يصيبه الأذى، ويصبح في صف المقاتلين المجاهدين، ويفوز بالغنيمة كذلك!
إنه في كلتا الحالتين لا يفكر إلا في نفسه، ولا يرفع تفكيره عن ذاته، لأن الإيمان الذي يشغله عن ذاته إلى ما هو أعظم وأرفع، لم يتعمق في داخله بعد.
ولكنا نلمح في النص -إلى جانب التعبير المصوّر الدقيق- توجيهًا تربويًا معينًا .. إن النص في صورته هذه لا يحدد أشخاصًا بأعيانهم، إنما يصف حالة قائمة في الصف.
والخطاب يوجّه للجميع، أقوياء وضعفاء:"وإن منكم .."دون أن يشار بالأصبع إلى شخص معين ويقال له: أنت تفعل كذا! وهذه الطريقة تدع المجال مفتوحًا لمن تنطبق عليه هذه الصفة أن يرجع عنها ويعدل موقفه ويستقيم على السلوك المطلوب، ما دام لم يشهّر به بما يجرّح موقفه! وهي الطريقة التي كان يستخدمها الرسول -صلى الله عليه وسلم- في خطابه لمجموع الناس، فلا يقول إن فلانًا صنع كذا، إنما يقول: ما بال أقوام يفعلون كذا .. فيعلم المقصود بالحديث أن الحديث موجه إليه دون أن يعرف بقية الناس بالضرورة! أنه هو بالذات، فييسر له ذلك طريق العودة إلى السلوك القويم. وهو توجيه لازم لنا في تربية الصغار والكبار على السواء!
"فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا".
إنه التوجيه للسلوك المطلوب، بعد الإشارة السابقة لمن يُبَطّئون ليتخلفوا عن القتال. وهو توجيه يلمس العقدة الحقيقية في الموقف. فلماذا يبطّئ من يبطّئ؟ السبب الخفي في الحقيقة هو الحرص على متاع الحياة الدنيا أو على شيء معين من ذلك المتاع. فهنا يصف الذين يقاتلون في سبيل الله بأنهم الذين"يشرون الحياة الدنيا بالآخرة"أي يبيعون متاع الحياة الدنيا ليشتروا به النعيم الحقيقي الخالد في الآخرة.