إن الآية كما قلنا صريحة وحاسمة كحد السيف، وإجماع الفقهاء والمفسرين على أنها آية محكمة لا تحتمل التأويل. وقرارها -الذي لا يقبل الجدل- أن الناس لا يؤمنون حتى يحكموا شريعة الله. ذلك هو الحد الأدنى الذي يعطيهم صفة الإسلام. أما الإيمان الحقيقي فلا يتم بمجرد الإذعان لحكم الله، إنما هو كما تقرره الآية ببيان واضح:
".. ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا".
ذلك إيمان القلب الذي لا يعلم حقيقته إلا الله المطلع على خفايا القلوب. أما العلامة الظاهرة التي يمنح بها الناس في عالم الظاهر سمة الإسلام واسمه فهي الإذعان لحكم الله.
ننتقل من السياق إلى جولة أخرى بعد بضع آيات مضت تعقيبًا على أحوال أهل الكتاب الذين يزعمون الإيمان ثم يعرضون عن التحاكم إلى شريعة الله، وعن الصورة المقابلة، صورة الطاعة لله والرسول:
"وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا، ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ عَلِيمًا".
ينتقل السياق بعد ذلك إلى توجيه المؤمنين للقتال، وبيان مواقف مختلفة لطوائف مختلفة في المجتمع الإسلامي بشأن القتال، وبشأن قضاء الله وقدره، وبشأن طاعة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وبشأن تلقي الأنباء وإذاعتها .. طوائف تشمل المؤمنين الصادقي الإيمان والمؤمنين الضعاف الإيمان والمنافقين ..
والملحوظ في الآيات بصفة عامة أنها تتعلق"بتجنيد"الجماعة المسلمة للقتال، أو ما نسميه بلغتنا المعاصرة عملية التعبئة العامة، وهي تعبئة روحية وعقيدية كما هي تنظيمية وحربية.
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا".
وهذا توجيه تنظيمي يتعلق بطبيعة المعركة يومئذ، ويقضي بأن يقاتل المسلمون في جماعات صغيرة أو في صف متجمع ولا يقاتلوا فرادى حتى لا يتصيدهم الذين كفروا، وأن يأخذوا حذرهم من الأعداء. وهو توجيه لازم لتلك المعركة ولكل معركة مهما تغيرت ووسائل القتال. وهو مصدر بالنداء"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا"وفي هذا التصدير تذكير للجماعة المؤمنة بما يميّزها -وهو الإيمان- وتذكير لها بمهمتها ورسالتها، وهي التحرك -في جميع المجالات-بمقتضى ذلك الإيمان.
وحين يكون هناك توجيه تشريعي أو أخلاقي مصدّرًا بقوله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا"فقد لا تلتفت كثيرًا لدلالة النداء، لأن"الإيمان"يرتبط في أذهاننا ارتباطًا"منطقيًا"مع توجيهات الأخلاق وتشريعات الأحكام التي لا يلتزم بتنفيذها إلا المؤمنون. ولكنا حين نجد ذلك النداء يتصدر كذلك التوجيهات الاجتماعية والتنظيمات السياسية والحربية، فينبغي أن نلتفت إلى تلك الدلالة، وهي التذكير الدائم للمؤمنين بوضعهم المتميز وبالرسالة التي يقومون بأدئها في كل اتجاه، وفي كل جزئية من جزئيات الحياة. فهم جماعة -وهم أمة- متميزة في سلوكها كله، وفي طريقة تفكيرها وطريقة شعورها وطريقة تعاملها عن كل أمم الأرض، بوصفها الأمة المؤمنة التي يصفها الله سبحانه بهذا الوصف الذي يحدد وضعها ويحدد مهمتها كذلك:
"كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ" [1] .
(1) سورة آل عمران: 110.