الصفحة 332 من 379

والحديث هنا ليس عن"سلطة"النبي أو الرسول، إنما عن الغاية من إرساله. فكثير من الأنبياء لم يكونوا حكامًا ذوي سلطة كما كان النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولكن هذا لا يغيّر شيئًا في الموقف. إنهم كلهم أرسلوا ليطاعوا. أي أرسلوا بأوامر من عند الله واجبة الطاعة، سواء أطاعها الناس بالفعل أم لم يطيعوها، وسواء كان النبي المرسل ذا دولة وذا سلطة يعاقب بها الخارجين عن أوامر الله أم ترك عقابهم لله في الآخرة. المهم في جميع الأحوال أن كلام الرسل، الذي يبلغونه من عند الله، ليس مجرد نصائح لتزجيه الفراغ! أو"لتهذيب النفوس"بالمعنى الذي يستخدم في كتابات الجاهلين! فإنما تهذب النفوس بالطاعة الفعلية لأوامر الله لا باتباع الهوى والشهوات!

"وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا".

فالله جل وعلا لا يغلق بأنه دون أحد من المستغفرين مهما كانت جريمته، ما دام يتوب عنها ويطلب الغفران.

ولكن هؤلاء لا يفعلون!

"فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا".

تلك هي الآية الحاسمة كحد السيف التي تقرر خلاصة الموقف كله بالنسبة لأولئك الذين يزعمون الإيمان.

إن المحك الحقيقي للإيمان كامن في تحكيم شريعة الله، والرضى بحكم الله ورسوله .. وإلا فلا إيمان.

إنه ليس مجرد النطق بشهادة ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. وليس القيام ببعض شعائر التعبد كذلك! إنما هو بالإضافة إلى ذلك التحاكم إلى شريعة الله.

فأما النطق بالشهادة وحده بغير التحاكم إلى شريعة الله، فالله يقول فيه:

"وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِين، وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُون، وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَاتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ، أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" [1] .

فيبين بيانًا حاسمًا أن النطق بالشهادة -حتى مع دعوى الطاعة- لا يعطي الإنسان صفة الإيمان إلا إذا تحاكم إلى شريعة الله، وأن التحاكم إلى ما أنزل الله هو المحك الحقيقي للإيمان.

وأما القيام ببعض شعائر التعبد فالله يقول فيه، في سورة النساء ذاتها [آية 142] :"إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاَةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلًا".

وحقيقة إن المنافقين -في الأرض- يعاملون معاملة المسلمين ويترك أمرهم إلى الله. ولكن ذلك بشرط واحد هو أن يقبلوا التحاكم إلى شريعة الله، ولا يعرضوا عن حكم الله، ولا يرغبوا إلى حكم غير حكم الله. وإلا فإنهم يعاملون معاملة الكفار الصرحاء، كما عامل سيدنا -عمر رضي الله عنه- ذلك اليهود الذي حكم له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في دعواه، فراح يسأل عن حكم آخر غير حكم الله!

(1) سورة النور: 47 - 51.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت