فالآية تقرر أنهم يزعمون الإيمان، ولكنها في هذا الموضع لا تحيل إلى علم الله بما في قلوبهم، وإنما تحيل إلى عمل ظاهر هو إرادتهم أن يتحاكموا إلى الطاغوت. ومن ثم تقرر مبدًا عقيديًا واضحًا لا لبس فيه: هو أن كل من يرغب في حكم الطاغوت -وهو كل حكم غير حكم الله- فهو ليس مؤمنًا ولو زعم ذلك. وحقيقة أن"الإرادة"التي تتحدث عنها الآية هنا بشأن ذلك اليهودي كانت بعمل ظهر هو بحثه عن حكم آخر غير حكم الله. ولكن هذا أمر يدخل في اختصاص الدولة المسلمة أي التي تحكم بما أنزل الله -حين توجد- لتحكم عليه بالردة وتقيم عليه حد لردة. ولكن الذي يدخل في اختصاص الدعاة اليوم -حتى تقوم الدولة المسلمة التي تحكم بما أنزل الله- أن يبينوا للناس هذه الحقيقة: أن التحول من الحكم بما أنزل الله إلى حكم الطاغوت يخرج الناس من الإيمان ولو زعموا أنهم مؤمنون، وأن من رضى بحكم الطاغوت -وهو حكم غير حكم الله- فقد خرج من دائرة الإيمان.
وحين نصل إلى الآية الفاصلة [65] سيكون هذا الأمر قد تقرر حاسمًا كحد السيف. ولكنا نقول هنا إن الآية الأولى من السياق قد مهدت تمهيدًا واضحًا لهذا الحكم، إن لم تكن قد قررته بالفعل.
"وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ".
فهناك أمر صريح من الله للناس أن يكفروا بالطاغوت.
"وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ" [1] .
فكيف يصنع الناس بهذا الأمر؟ وأنّى لهم أن يتفلتوا منه ويلتمسوا لذلك المعاذير؟
"وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا، فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا".
ذلك شأن المنافقين وتلك علامتهم. في السلم والأمن يظهرون الصدود والإعراض فإذا أصابهم السوء نتيجة تصرفهم عادوا يتلمسون المعاذير ويدعون أنهم إنما أرادوا الإحسان والتوفيق!
"أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ".
ولا يعني النص بطبيعة الحال أن أولئك فقط هم الذين يعلم الله ما في قلوبهم فإن الله يعلم ما في قلوب الناس جميعًا. ولكن التعبير يؤدي معنى بلاغيًا آخر مؤداه أن أولئك -مهما حاولوا الاستخفاء بحقيقتهم عن الناس، ومهما تظاهروا بالإيمان- فإن الله يعلم دخيلة أنفسهم فلا يستطيعون أن يخدعوه.
"فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا".
ولم يكن الأمر بقتالهم قد نزل بعد، فيوجِّه الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى الإعراض عنهم ووعظهم ليرجعوا عن غيهم ويستقيموا على أمر الله. ولكن التعبير في قوله تعالى:"وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا"يحمل نغمة حادة تشبه النذير.
"وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ".
إن الرسل لا يرسلون من عند الله ليكونوا وعاظظًا كخطباء المساجد! وتلك صورتهم في حسن الجاهلية المعاصرة! إنما يرسل الرسول ليطاع. فأمره أمر، وليس مجرد نصيحة يأخذ بها من يأخذ ويتركها من يترك ثم يمضي ناجيًا من عقاب الله!
(1) سورة النحل: 36.