الصفحة 330 من 379

ومن أجل فِعْلهم ذلك فقد تحولوا إلى الغثاء الذي تحدث عنه الرسول -صلى الله عليه وسلم-:"يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟! قال: بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل".

ولن يعودوا إلى عزتهم ومكانهم في الأرض حتى يعلموا حدود ما أنزل الله، ويعرفوا من يطيعون ومن لا يطيعون.

والوقفة الثالثة عند قوله تعالى:"فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ".

وهو تعبير حاسم لا يرد كثيرًا في القرآن بالنسبة للمؤمنين، إنما أكثر وروده بالنسبة لمن يدّعون الإيمان. ولكنه حيثما ورد خطابًا للمؤمنين -كما هو في هذا النص- فهو يشمل معنيين في آن واحد. المعنى الأول أن الأمر الوارد في النص هو حقيقة الإيمان، لا يتأتى الإيمان ولا يتحقق إلا به. والمعنى الثاني هو التهديد الخفي للمؤمنين -إن خالفوا هذا الأمر- بأنهم عندئذ يخرجون من دائرة الإيمان ولا يعودون مؤمنين!

"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدا".

الحديث هنا عن اليهود الذين يتظاهرون بالإسلام لغاية في نفوسهم، وهم لم يؤمنوا في حقيقة الأمر. فهم هنا يعرضون بصفة أصيلة من صفاتهم وهي النفاق. ولا يشير السياق نصًا على أنهم اليهود، ولكن يفهم ذلك من السياق، ومن الإشارة إلى أنهم يزعمون أنهم يؤمنون بما أنزل إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- وما أنزل من قبله.

والروايات تقول إن هذه الآيات نزلت في يهودي ادعى الإسلام ثم سأل الرسول -صلى الله عليه وسلم- في أمر من الأمور فأفتاه الرسول -صلى الله عليه وسلم- فلم يعجبه حكمه، ومضى يسأل عن حكم آخر يكون أقرب إلى هواه!

والنص على أي حال عام، يشمل هذا اليهودي وكل حالة مماثلة، يدعي فيها الإسلام شخص ما، ثم يعرض عن حكم الله ورسوله يبحث عن حكم آخر بحجة من الحجج التي يتلمسها الزائغون عن حكم الله.

والآية تسجل عليهم أربعة أشياء: أنهم يدّعون الإيمان بما أنزل الله، وأنهم مع ذلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت (والطاغوت هو كل شيء أو سلطة أو حكم أو عرف تكون له الحاكمية من دون الله) وأنهم أمروا أن يكفروا بالطاغوت، وأن الشيطان يريد أن يضلهم ضلالًا بعيدًا.

وبهذا تكون الآية قد حددت وضعهم -أو وصفهم- تحديدًا دقيقًا يرشح للحكم الأخير الذي سيصدر عليهم بأنهم ليسوا مؤمنين، وأنهم لا يؤمنون حتى يتحاكموا إلى شريعة الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت