الأولى أن طاعة الله وطاعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- واجبة بالذات وفي كل ما أمر به الله ورسوله. بينما طاعة أولي الأمر ليست واجبة بذاتها، إنما هي ملحقة بطاعة الله ورسوله. يدل على ذلك أن الفعل"أطيعوا"ورد مع لفظ الجلالة ومع الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولم يرد مع أولي الأمر. لم يقل السياق: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأطيعوا أولي الأمر منكم. وإلا لوجبت طاعتهم في كل ما يأمرون به بوصفهم سلطة تطاع لذاتها. ولكن السياق بيّن أن طاعة الله واجبة لذاتها لأن الله سبحانه وتعالى هو صاحبة السلطة التي ينبغي أن تطاع (أي صاحب الحاكمية كما سيرد في الآيات التالية) وأن طاعة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واجبة لذاتها لأنه المبلغ عن الله سبحانه وتعالى الذي لا ينطق عن الهوى:"وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى" [1] والذي أمر الله (صاحب السلطة وصاحب الحاكمية) بطاعته طاعة مطلقة في كل ما يأمر به، وذلك في أكثر من آية من هذه السورة ومن غيرها. فقد جاء في هذه السورة [آية 64] :"وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ"وجاء فيها أيضًا [آية 80] :"مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ". وجاء في سورة الحشر [7] :"وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا".
أما طاعة أولي الأمر فبما أنها -في سياق الآية- ملحقة بطاعة الله ورسوله فهي -عقلًا في حدود ما أمر به الله ورسوله، أي في حدود طاعتهم هم لما أمر به الله ورسوله. ولكن الأمر ليس متروكًا للاستنباط العقلي إنما هو منصوص عليه نصًا صريحًا في القسم الثاني من الآية:"فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ"فهما -وحدهما- المرجع الذي يرجع إليه في كل الأمور.
والوقفة الثانية عند قوله تعالى:"وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ".
فأولو الأمر ليسوا هم أي ناس يقومون بالحكم على المسلمين، أو ينصّبون أنفسهم ليكونوا حكامًا. إنما هم -ضرورة- ينبغي أن يكونوا من المسلمين. من الجماعة المسلمة. من المؤمنين. لأن الخطاب أصلًا هو للذين آمنوا، ثم يقول لهم:"وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ". فحين يتولى أمر المسلمين بالجبر والغصب قوم غير مؤمنين، لا يحكمون بما أنزل الله، فإن الله لا يأمر بطاعتهم على الإطلاق. بل هو سبحانه يأمر بعدم طاعتهم، حين يأمر برد الأمر المتنازع فيه إلى الله ورسوله، أي إلى ما أنزل الله.
وفي هذه النقطة يجيء التفصيل والتوكيد في الآيات التالية ليحدد بالضبط من هم"المؤمنون"ومتى يكونون مؤمنين، أي متى يكونون"منكم"وتكون طاعتهم واجبة، لا على إطلاقها، ولكن في حدود ما أنزل الله [2] .
ولكن الذي ينبغي توكيده هنا أن الجهالة قد وصلت"بالمسلمين"في عصرهم الحاضر إلى أن يطيعوا المتسلطين عليهم الذين لا يحكمون بما أنزل الله زعمًا بأن الله هو الذي أمرهم بذلك!
"وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَامُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ" [3] .
(1) سورة النجم: 3 - 4.
(2) هذا فيما ورد فيه نص من الله ورسوله. أما المتروك بلا نص فعلى الناس السمع والطاعة فيما يجتهد فيه ولي الأمر المسلم الذي يطبق شريعة الله بشرط ألا يخالف نصًا ولا قاعدة عامة من قواعد التشريع.
(3) سورة الأعراف: 28.