فالحكم بين الناس بالعدل هو واحد من الأمانات الكبرى التي ينبغي أن تؤدى إلى أهلها -وهم هنا"الناس"جميعًا- يبرزها السياق لأهميتها البالغة في حياة الأمة المسلمة المكلفة بتطبيق العدل الرباني على مستوى البشرية كافة لا في محيط ذاتها فحسب، ويبرزها كذلك لأنها تنير الطريق لكيفية أداء هذه الأمة لأماناتها. فإن العدل الذي تأمر الآية بتطبيقه بين الناس ليس شيئًا آخر غير شريعة الله. والحكم بالعدل في حقيقته هو الحكم بما أنزل الله.
هذه الإشارة الدالة تفصلها وتؤكدها الآيات التالية كما سنرى. ولكنا -قبل الانتقال إلى تلك الآيات- نقف عند التعبير الوارد بعد الإشارة السابقة لأنه تعبير لا يملك الإنسان أن يمر به دون أن يتدبره ويتملاه:
"... وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ".
الأصل اللغوي لكلمة نعما هو: نعم ما. إن الله نعم ما يعظكم به.
والذي يلفت النظر -من الوجهة البلاغية- هو تركيب المبتدأ (اسم إن) والخبر في الجملة. فالذي يرد على الذهن أن يقول التعبير: إن يعظكم بما هو خير. أو: إن ما يعظكم به الله هو الخير. أو: إن ما يعظكم به الله نعم هو. أو نعما هو ..
ولكن التعبير القرآني لا يقول شيئًا من هذا الذي يرد على الذهن، إنما يقول: إن الله نعما يعظكم به"فيجعل لفظ الجلالة هو المبتدأ (اسم إن) ويجعل الجملة"نعما يعظكم به"هي الخبر للفظ الجلالة. وفي هذا ما فيه من التوكيد على الأهبة البالغة لما يعظ به الله (وهو تأدية الأمانات إلى أهلها والحكم بين الناس بالعدل) حتى ليصبح خبرًا مباشرًا للفظ الجلالة. والخبر في الأصل البلاغي هو ما يتم به فهم المعنى ويتضح به وصف المبتدأ في الذهن!"
ثم تأتي أولى الآيات المفصلة لما جاء في الآية السابقة:
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا".
إن هذا هو الطريق لتأدية الأمانات إلىهلها وللحكم بين الناس العدل. فإنما يتم ذلك ابتداء بطاعة الله وطاعة رسوله وأولي الأمر من المسلمين. ثم يرد الأمر المتنازع عليه إلى الله والرسول.
وفي الآية جملة إشارات تحتاج إلى وقفة عندها للبيان.