فكلما مضى السياق شوطًا مع التوجيهات المنظمة لعلاقات المجتمع الإسلامي جاءت شحنة جديدة من التوجيه العقيدي تؤدي أكثر من مهمة في الوقت الواحد:
تربط القلب البشري بالله وتذكره به، وذلك هو الرباط الذي تستقيم به الحياة في الأرض، وتستقيم به حياة ذلك القلب، فينظف ويطهر ويصلح، ويتوازن مع ثلة الأرض وجذب الشهوات.
ومن جانب آخر تربط تلك التوجيهات ذاتها بالعقيدة. فلا تصبح مجرد أوامر تؤدي، ولا تنظيمات تقام .. وإنما تصبح عبادة يتقرب بها الإنسان إلى الله، ويبتغي من تأديتها رضاه. فلا يصبح الحافز إلى أدائها مصلحة قريبة إن توقفت توقف هو عن الأداء، ولا خوفًا من سطوة الدولة أو مطاردة القانون بالعقاب. إنما يصبح الحافز أعمق من ذلك وأوثق: يصبح ثواب الآخرة ومرضاة الله. ومن ثم يصبر على التكاليف ولا يضيق بها، ولا يتحايل على القيام بها في أضيق نطاق ممكن، بل يحاول أن يؤديها على مستوى الإحسان الذي لا يقف عند الحد الأدنى، وإنما يتطلع دائمًا إلى المثال.
وهكذا تؤدي تلك الإشارات الموزعة في ثنايا السورة مهمتها بتجديد شحنة العقيدة كلما مضى الإنسان شوطًا على الطريق، فتعينه على حمل ما حمّل من التكاليف من جهة، وتمده من جهة أخرى بزاد جديد يتلقى به مزيدًا من التكاليف.
"إِنَّ اللّهَ يَامُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا".
نص يشمل كل أمانة على الإطلاق ..
والأمانة التي تتعلق بها سائر الأمانات هي تلك المتعلقة بحق الله على العباد: أن يعبدوه وحده بلا شريك، ويتحاكموا إلى شريعته وحدها ويتخذوا منهج الله وحده منهج حياة.
فإذا تم ذلك فقد تم تلقائيًا تأدية الأمانات كلها إلى أهلها، ذلك أن منهج الله قد حدد بوضوح طبيعة تلك الأمانات وحدودها، كما حدد كذلك"أهلها"الذين تؤدى إليهم. فإذا ما راعى الإنسان الأمانة الكبرى وردها إلى أهلها -وهو الله سبحانه- فإنه سيتشعر تقوى الله (وهو التوجيه الذي بدأت به السورة كلها) وسيراعى حقوق الآخرين عليه، سواء كانوا من أولى القربى أو اليتامى والمساكين وابن السبيل .. الخ، الذين أشارت إليهم الآية:"وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى ..."أو كانت الزوجة، التي أشارت إليها الآية:"وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ .."، أو كان الناس جميعًا الذين تشملهم ضمنًا هذه الآية:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ .."فهذه كلها أمانات، وهؤلاء الذين تذكرهم الآيات هم أهلها الذين ينبغي أن تؤدى إليهم.
ثم إن الأمانات كلها -وفي مقدمتها الأمانة الكبرى نحو الله، وهي عبادته وحده دون شريك- لا يتم أداؤها إلا بالتحاكم إلى ما أنزل الله. لأن التحاكم إلى ما أنزل الله هو التطبيق العملي للعبودية لله وحده من جهة، وللعدل الرباني الذي يعطي كل ذي حق حقه من جهة أخرى.
وهذا المعنى ستفصله الآيات التالية تفصيلًا وتؤكد عليه تأكيدًا. ولكنا نجد في الآية التي نحن بصددها إشارة دالة، هي الأمر الموجه للمؤمنين أن يحكموا بين الناس بالعدل:
"إِنَّ اللّهَ يَامُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ".