الصفحة 345 من 379

ونحن نعلم -من السياق- أنهم طوائف مختلفة لا طائفة واحدة. ولكنا إذا تدبرنا الأمر يتضح لنا أنهم -كلهم- ذوو موقف واحد أو متشابه في القضية الرئيسية المعروضة في هذا السياق، وهي القتال، التي بدأت بقوله تعالى:"فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ"فمواقفهم كلهم هي إلى التقاعس أو التخذيل أقرب .. فربما كان هذا هو الذي جمعهم في خيط واحد كأنهم طائفة واحدة!

ومن ثم يجيء التعقيب الأخير:

"فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَاسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللّهُ أَشَدُّ بَاسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا".

فهذا هو التوجيه الأخير، بعد بيان الطوائف المخذّلة في الصف، يوجّه الأمر للرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يقاتل بنفسه- فيعطي بذلك القدوة الواقعية في هذا المجال وفي كل مجال- وأن يحرض المؤمنين، وهم الطائفة الصافية الخالصة من تلك الأوشاب التي وصفها السياق من قبل في تلك الطوائف الزائغة .. ثم الله غالب على أمره، وهو القادر على أن يكف بأس الذين كفروا، وأن ينكل بهم تنكيلًا ..

ويلحق بهذا الأمر بيان بوضع كل من الفئتين: المستقيمة على أمر الله والفئة الزائغة، كل بحسب عمله، وأن الله سيجازي هذه وتلك بحسب أعمالها:

"مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا".

والنص عام يشمل كل شفاعة حسنة وكل شفاعة سيئة. ولكن مناسبته هنا في السياق أن الذي يشفع شفاعة حسنة يكون مؤداها تحريض المؤمنين على قتال أعدائهم يكون له الجزاء الحسن عند الله، والذي يشفع شفاعة سيئة (بمعنى يسعى مسعاة سوء) تكون نتيجتها تخذيل الصف وإشاعة الخلخلة والاضطراب فيه فإن له عند الله ما يناسبه من الجزاء"جَزَاء سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا" [1] .

فكأن الآية تلخص الموقفين المتقابلين للمؤمنين من جهة والمخذلين بشتى صنوفهم من جهة، وتبين نهاية كل فريق.

ثم يختتم هذا السياق الحاشد كله، الدائر من أوله إلى آخره حول القتال والجهاد بآية قد تبدو عجيبة في موضعها:

"وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا".

لكأنما هي نغمة السلام بعد انتهاء القتال! أو هي تقرير للقاعدة الأساسية في حياة الإسلام: إنه يسعى إلى السلام أبدًا. ويسعى إلى الحرب والقتال كوسيلة لإقرار السلام فحسب، لا من أجل القتال ذاته. ولكنه السلام الذي يرضاه الله سبحانه وليس أي سلام. السلام الذي لا تكون فيه فتنة، ويكون الدين فيه كله لله:

"وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه" [2] .

وعندئذ فقط يجيء السلام.

يتطرق السياق من بيان هذه الفئات المختلفة في داخل المجتمع المسلم، إلى بيان الموقف المحدد الذي ينبغي أن يتخذه المسلمون إزاء الفئات المختلفة خارج المجتمع، من منافقين خارج أرض الدولة وهي يومئذ دولة المدينة، وكفار محالفين لقوم بينهم وبين المسلمين ميثاق، ومحايدين لا يريدون أن يدخلوا في حرب مع المسلمين ولا حرب مع قومهم الذين هم على دينهم، ومتلاعبين يظهرون الإسلام إذا جاءوا إلى المسلمين ويرتدون إلى الكفر إذا رجعوا إلى الكفار ليأمنوا هؤلاء وهؤلاء! وبمناسبة القتال والقتل يذكر حكم القتل الخطأ والقتل العمد فيما يقع بين المسلمين بعضهم وبعض، وبين المسلمين وغيرهم من هذه الأقوام السالفة الذكر.

(1) سورة يونس: 27.

(2) سورة الأنفال: 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت