الصفحة 28 من 379

"لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ" [1] .

"وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ، ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" [2] .

نحن هنا مع النحل، وهي كائنات متحركة دءوب لا تكاد تكف عن الحركة والنشاط. ولقد تلفت حسّنا بالفعل بحركتها ونشاطها حين نراها تطير من زهرة إلى زهرة، وتحط عليها ترشف من رحيقها فترة ثم تطير .. ولكننا ننساها بعد لحظة ونمضي؛ لأننا نرقبها في إطارها القريب الذي تدركه حواسنا فحسب. وقد تثير تأملنا، وعجبنا وإعجابنا، ولكنا حتى في ذلك لا نخرج بها من إطارها الذاتي الذي تأملنا من خلاله .. وهو في النهاية قريب!

ولكننا مع السياق القرآني من أول لحظة في محيط آخر!

إننا لسنا مع النحل، ولكننا مع الله!

"وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ .."

فليس النحل إذن هو الذي يتحرك من تلقاء نفسه تلك الحركة العجيبة التي قد تستوقفنا عندها في بعض الأحيان بضع لحظات، أو حتى ساعات! إنما هو الله"أوحى"إليه، بمعنى ألهمه:"رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى" [3] .

ومن هنا لا تنتهي حركة النحل في حِسّنا من قريب؛ لأنها -بادئ ذي بدء- خرجت في حِسّنا من إطارها القريب واتصلت بوحي الله وإلهامه، واتصلت -من ثم- بتدبير الله لأمور الكون بكل ما فيه وكل من فيه، فدخلت في إطار واسع عميق ممتد في الآفاق!

ثم إن الحركة التي ترسمها الألفاظ في الصورة حركة حية كذلك، وأوسع مدى في الحقيقة من الحركة التي تراها العين لأول وهلة .. مما يمد في أبعاد الصورة في حِسّنا ويعمقها.

فالنحل تتلقى الإلهام من الله أن تتخذ بيوتًا لها من الجبال ومن الشجر ومما يعرشون، أي مما يزرع البشر من نبات ذي عروش كالروم .. ثم هي -كما توحي الصورة إلى خيالنا- تنفذ الأمر فتتخذ بيوتها هناك!

وهناك فارق واضح في"عمق"الصورة في حِسّنا بين رؤية العين للنحل تبني عشوشها هناك وهناك، وبين رؤيتها في الإطار الذي ترسمه ألفاظ الآية، تتلقى من الله الوحي ثم تصدع بالتنفيذ!

وبُعْدٌ آخر يمتد في الصورة من قوله:"وَمِمَّا يَعْرِشُونَ"!

إنها علاقة الأحياء بالأحياء!

فالوحي يصدر إلى النحل -وهي كائنات حية- أن تتخذ بيوتًا مما يعرش البشر -وهم كائنات حية- فيبدو هناك نوع من التعاون والتآزر بين هذه الأحياء يقدره الله ويريده فيتم في واقع الحياة!

ويستمر السياق يفصّل الوحي الصادر إلى النحل:

"ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا".

(1) سورة الأنعام: 103.

(2) سورة النحل: 68 - 69.

(3) سورة طه: 50.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت