ومرة أخرى نرى الاختلاف في عمق الصورة بين أن تكون النحل من تلقاء نفسها تأكل من كل الثمرات كما بيدو لظاهر أعيننا حين نحصر الصورة في أبعادها القريبة، وبين أن تكون هذه الحركة ذاتها تلبية للوحي الصادر إليها من الله. ثم بين أن تكون حركة النحل حركة عشوائية كما تبدو في ظاهرها، أو حتى منسقة على وتيرة معينة يمكن للعلم أن يكتشفها ويسجلها، وبين أن تكون سالكة في حركتها سبل ربها المذللة لها بأمره سبحانه ومشيئته! فأنت في الصورة الأولى تتعامل مع النحل، بينما أنت في الصورة القرآنية تتعامل -في كل جزئية من جزئياتها- مع الله! والنحل موجود في الصورتين .. ولكنه في الأولى نهاية المنظر، ونهاية المطاف، بينما هو في الثانية بداية المنظر، وبداية المطاف!
هل تغيرت"معلوماتك"عن الظل أو عن النحل حين قرأت هذه الآيات؟!
كلا! إن"المعلومات"في ذاتها ليست جديدة. لقد كانت معلومة من قبل، ولكنه ذلك العلم الميت البارد الساكن الذي لا يتحرك. ولكن القرآن يحيي هذه المعلومات حين يعرضها في جوّه الوجداني بطريقته المعجزة فتنتفض حية كأنها ليست هي التي كنا نعرفها من قبل! وما تغيرت هي! إنما نحن الذين تغيرنا! حين زال عن حسّنا التبلد للتجربة المكرورة والمنظر المكرور ..
وكما يصنع القرآن هذه العجيبة في مشاهد الكون المنظورة فهو يصنعها كذلك مع أحداث الماضي الذي مر، والمستقبل الذي سيجيء!