الصفحة 27 من 379

فأنت ترى حركة الظل الرتيبة كل يوم، وترى انتقاله من مكان إلى مكان، ولكنك لا تخرج به في حسك عن أسبابه القريبة الظاهرة، ومن أجل ذلك لا يعود بشغل حسك، ولا تلتف إليه إلا حين نتفيؤه هروبًا من الحر، أو تنظر إليه لتقدير الوقت، وفي هذه وتلك لا يشغل من نفسك ولا مشاعرك إلا اللمحة العابرة التي تنطفئ من توّها وتروح!

ولكنك هنا -مع الآيتين- في جو آخر، مختلف تمام الاختلاف.

إنك بادئ ذي بدء مع حقيقة قد تفجؤك لأول وهلة! إن الظل ليس متحركًا من تلقاء نفسه، ولا تلقائيًا من حركة الشمس الظاهرية التي يفسرها العلم بأنها ناشئة من حركة الأرض حول الشمس ..

إنه متحرك لأن الله هو الذي حركه!

"أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِنًا".

فحركته إذن ليس وليدة هذه الأسباب الظاهرة التي تجعل تحركه أمرًا"حتميًا"حسب"قوانين الطبيعة"! وإنما لأن الله هو الذي مدّه وحركه. ولو شاء الله أن يجعله ساكنا لسكن، ولما استطاعت قوة في الوجود أن تحركه من سكونه الذي أراده له الله ..

وكون الله سبحانه وتعالى هو الذي أودع الكون تلك الصفات التي تنشأ منها في النهاية حركة الظل، هذه حقيقة. ولكن التعبير القرآني يصلك رأسًا بالمشيئة الإلهية التي حركت الظل، متخطيًا الأسباب الظاهرة هو الذي يفتنه عن رؤية الحقيقة الكبرى من ورائها، وهي إرادة الله التي تقول للشيء كن فيكون، فيروح ينسب المشيئة لتلك الأسباب، ويسميها"قوانين الطبيعة"ويقول إنها"حتمية"، فيتبلد حسه من جراء ذلك ويبعد قلبه عن الله.

والتعبير القرآني يأخذه من هناك، من حيث تبلد حسه وبَعُد، فيرده مرة أخرى إلى الله!

ومرة أخرى تستوقفنا الآية، لتردنا إلى الله ..

"ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا"!

إن"العلم"يقول لنا -بحسب ما يرى من الأسباب الظاهرة- إن وجود الشمس، وحركة الأرض حولها، هما السبب في حركة الظل .. ولكن التعبير القرآني يقول لنا إن إرادة الله هي التي حركت الظل ابتداء،"ثم"جعلت الشمس دليلًا على الظل! فليست الأسباب الظاهرة هي الأصل، ولكنها تجيء تالية، بل تجيء على التراخي بلفظ"ثم"، بعد تقرير الله للأمر بمشيئته، التي تقول للشيء كن فيكون!

ثم تتحرك مع السياق حركة جديدة ..

"ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا".

إن التعبير يصور حركة الظل الوئيدة التي تراها العين فلا تلتفت إليها أو لا تلتفت ليها بكليتها. ولكن الخيال هنا -مع التعبير القرآني- لا يملك أن يفلت من أسر الصورة التي تصورها تلك الكلمات القلائل في إبداع معجز! إن الظل هنا لا يتحرك راجعًا من تلقاء نفسه، ولا من أثر الأسباب الظاهرة التي نعرفها .. إننا مع السبب الحقيقي مرة أخرى. ولكننا نقف مبهورين ننظر إلى الظل وهو يقفل راجعًا بعد ما امتد .. لماذا؟! لأن يدًا خفية هي التي تطويه في حركة وئيدة كحركة الظل .. إنها يد الله! وهكذا تجدنا مع الله مرة أخرى، نرقب -من خلال حركة الظل- قدرته القادرة، ويده الخفية -سبحانه- التي لا تدركها الأبصار!

على أن أروع ما في التعبير القرآني في الآية هو هذه اللفظة .."إلينا":"ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا".

أتدري ماذا فعلت هذه اللفظة المفردة في كيان الصورة كله؟!

لقد كنت -بخيالك- تتبع حركة الظل الوئيدة في ذهابه وأوبته، هنا! هنا في الأرض! ويمتد بك البصر -أو الخيال- إلى الشمس حين تقرأ:"ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا"وينتهي بك الخيال هناك. ولكنك -فجأة- حين تصل إلى كلمة"إلينا"تجد إطار الصورة قد امتد وامتد، وجاوز الشمس والأرض .. إلى .. ؟ إلى غير حدود!"إلينا"!

وليصنع خيالك ما يشاء!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت