"أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا" [1] .
"أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ، وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ، الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ، أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" [2] .
"هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ" [3] .
"لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ" [4] .
إن الحس البشري ليتبلد على المنظر المكرور والتجربة المكرورة، فلا تعود تهزه كما هزته أول مرة .. ولا يستشعر لها الوجيب والحركة الوجدانية التي صاحبتها أول مرة وهي تلقي بشحنتها الكاملة للحس المتفتح المتوفز .. ومن هنا تفقد دلالتها، فلا تعطي توقيعها الصحيح على أوتار القلب البشري .. لأن هذا القلب قد"ران"عليه ما جعله لا يستجيب ..
وهنا يأتي القرآن بطريقته الفذة فيمسح تلك القشرة الصلدة التي رانت على الحس فتبلد، ورانت على القلب فلم يعد يستجيب ..
ولكأنه -حين يزيل تلك القشرة الجاسية- يصل إلى العصب الحيّ، فيطلق له الشحنة فيتلقاها بكاملها .. كأنما يتلقاها أول مرة .. فيهتز لها اهتزاز التجربة الجديدة .. وينفعل بها كمن يعيشها أول مرة .. وحين يبلغ الاهتزاز ذروته، والانفعال بالتجربة أشده، يقول له: إنه الله! إنه الله الخالق المبدع المصور .. إنه الله الرزاق .. إنه الله المحيي المميت .. إنه الله مدبر الكون كله بما فيه .. إنه الله عالم الغيب والشهادة .. إنه الله القادر الذي لا يعجز قدرته شيء ..
"أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا، ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا ..". [5]
تُرى هل أنت هنا مع الظل الذي تراه كل يوم، لا يلفت حسك ولا يثير انتباهك؟
وهل تستطيع أن تقرأ الآيتيتن السالفتين ثم يظل إحساسك بالظل كما كان من قبل؟
إنه هنا كائن جديد ولا شك. وقد تدخلت جملة عناصر لتمنحه هذه الجدة التي تعطي الحس شحنتها، فتعطيه دلالتها!
(1) سورة فاطر: 44.
(2) سورة يس: 77 - 83.
(3) سورة غافر: 67 - 68.
(4) سورة الشورى: 49 - 50.
(5) سورة الفرقان: 45 - 46.