الصفحة 176 من 379

".. أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ".

ونتصور بخيالنا أن الجواب جاء مذهلًا ومسكتًا! وأن الصراخ قد كف لحظة .. حتى يؤججه العذاب من جديد!

ومن هناك .. من مشهد العذاب يوم القيامة .. يحدثهم هنا في الدنيا، كأنه تتمة الحديث هناك!

"إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا".

إن من معجزات التعبير القرآني هذا الوصل بين عالم الدنيا وعالم الآخرة في سياق واحد، لإحداث تأثير معين في نفوس السامعين. فقد كان منذ هنيهة يصف حال الكفار وهم يصطرخون في نار جهنم، يطلبون الخروج منها ويتعهدون بألا يعودوا لما كانوا يفعلون من قبل، فيجيئهم الرد بالتبكيت والتيئيس الكامل: لقد أضعتم فرصتكم! مددنا لكم في أعماركم بالقدر الذي يكفي للتذكر والتدبر، وجاءكم نذير ينذركم فكذبتموه .."فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ"ثم يستمر الحديث يحدثهم هنا في الدنيا .. هم هم الذين أورد وصفهم في جهنم من قبل لحظات! لكأنما يرفع أمامهم مرآة عجيبة الصنع، تريهم صور أنفسهم في ذلك المستقبل البعيد، فيرون أنفسهم في نار جهنم يصطرخون ويرد عليهم بذلك الرد الموجع .. ثم ينزل المرآة فجأة ليحدثهم عن واقعهم الحاضر، ولكن بعد أن يكون وجدانهم قد اهتز لما رأوه في المرآة من قبل، فيتلقون الكلام بهزة الانفعال:

"إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ"فهو يعلم ما في قلوبكم، وبمقتضى علمه ذلك يحكم عليكم الحكم الأخير يوم القيامة."هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ"استخلفكم بعد قوم آخرين، وأعطاكم فرصتكم في الحياة والعمل .."فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ".. من اختار الكفر فعليه مغبة اختياره .."وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا".. وقد رأوا منذ هنيهة عاقبة الكفر وتأكدوا من مقت الله وغضبه ومن الخسران الذي يعانيه أهل النار .. ثم يخاطبهم مرة أخيرة، بعد أن هز وجدانهم بمنظرهم في نار جهنم، وبالإنذار بالخسارة والمقت:

"قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا".

"قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ".

أرأيتم ماذا هم؟ أرأيتم ما هي حقيقتهم؟ أرأيتم ماذا في طوقهم، وماذا يملكون من نفع أو ضر لكم؟

"أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ"..

هذه هي الأرض أمامكم، جوبوها كلها بحثًا عن شيء واحد خلقه أولئك الشركاء!

"أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ"؟!

وما كان العرب المشركون يزعمون أن أولئك الشركاء قد خلقوا مع الله شيئًا في السماوات ولا في الأرض .. فالسؤال ليس مقصودًا بمعناه .. إنما هو سؤال للسخرية بأفهامهم، ولإيقاظهم للحقيقة التي يغفل عنها حسهم .. فما داموا يعرفون أن الشركاء لم يخلقوا مع الله شيئا، أفلا يدعوهم ذلك إلى نبذ هذا الشرك المضحك وإفراد الله بالألوهية؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت