أما إذا كان هذا تقسيمًا ثلاثيًا داخل دائرة المؤمنين فيكون هذا تقسيمًا انفردت به هذه السورة، ويكون الظالمون هم العصاة الذين زادت سيئاتهم على حسناتهم، والمقتصدون هم الذين لهم سيئات ولكن حسناتهم غطت عليها، أما السابقون بالخيرات فأولئك الذين استقاموا على الطريق بفضل الله:
".. ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ، جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ، وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ، الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ".
وواضح أن النعيم هنا حسي ومعنوي في ذات الوقت. ففيه أساور الذهب واللؤلؤ والحرير، وفيه الشعور بنعمة الله وفضله إذ أذهب عنهم الحزن، وإذ أحلهم"دار المقامة"لا يمسهم فيها تعب كبير ولا صغير .. ومع اجتماع نوعي النعيم، الحسي والمعنوي، فإن الإنسان يلمح هنا أن النعيم المعنوي هو الأغلب ..
"وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ".. إنهم يحسون بنعمة"إذهاب الحزن"وهي نعمة معنوية دون شك، تطلق ألسنتهم بشكر الله على نعمائه"إن ربنا لغفور شكور"وفي قولهم"إن ربنا .."تلمح إحساسهم بتلك الصلة الروحية بينهم وبين الله التي يتقربون بها إلى الله ويتحببون بها إليه .. بالإضافة إلى أنهم يصفون الله سبحانه وتعالى بنفس الصفات التي وصف بها نفسه من قبل:"لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ"وهذا التطابق في الوصف ملحوظ ومقصود، فكأنما أهل الجنة أولئك يعرفون الله بذات الصفات التي يعرّف بها نفسه سبحانه، وذلك من شدة صلتهم الروحية به .. ثم هم يمضون في تعداد نعم الله فيقولون:"الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ"فتحس مرة أخرى بالنعيم الروحي، فهم هنا فرحون مغتبطون بأن الله أحلهم"دار المقامة"وفي التسمية ذاتها إشعار بنعيم الروح .. فهنا الإقامة الدائمة الهنية الرضية التي لا يمسهم فيها نصب ولا أبسط التعب وهو اللغوب!
وفي الجانب الآخر من هذا المتاع الحسي والروحي الشامل الغامر الرضيّ الهنيّ .. نجد الكفار"يصطرخون"في نار جهنم:
"وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ، وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ..".
إنه عذاب حسي ومعنوي في ذات الوقت، في مقابل المتاع الحسي والمعنوي هناك ..
فهذه"نار جهنم".. عذاب حسي. ولكن في داخله كذلك عذاب معنوي"لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا".. ثم هم"يَصْطَرِخُونَ فِيهَا".. والاصطراخ يوحي بمعنى أكبر من الصراخ ذاته! فهم يصرخون ثم تتداخل أصوات صراخهم ويختلط بعضها ببعض، وذلك أنكى، وأوجع .. فهم ليسوا في حالة يستطيعون فيها تنظيم أصواتهم!
ويأتيهم الرد في النهاية .. ولكنه لا يأتي سريعًا .. لأن"الاصطراخ"معناه أنهم صرخوا وصرخوا وصرخوا دون أن يتلقوا إجابة على صراخهم .. وفي هذا إهمال لهم وهو عذاب معنوي بجانب العذاب الحسي .. فإذا أتاهم الرد في النهاية فهل هو استجابة لطلبهم الذي طلبوه:"رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ"؟ كلا! إنه رد لا يقل تعذيبًا عن العذاب الحسي: