الصفحة 177 من 379

"أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّنْهُ".

وذلك استمرار في السخرية بهم .. فهم يعرفون أنه لم ينزل عليهم كتاب من قبل! إنما يوقظهم إلى أن أي قول يقوله البشر في أمر الألوهية ينبغي أن يكون مستندًا إلى كتاب منزل، وأنه ليس للبشر أن يخبطوا في هذا الأمر من تلقاء أنفسهم فيضلوا ..

"بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا".

تلك هي الحقيقة النهائية للأمر! إن الظالمين يتخبطون، ويمنون أنفسهم بالأماني الفارغة: أنهم هم الذين على الحق، وأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو"الصابئ"عن الحق!!

ثم يثني السياق بآية من آيات الله المعجزة .. ولكنها تحمل نذيرًا خفيًا في طياتها!

"إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا".

إنها آية لمن يريد الآية المعجزة، ويعلن إيمانه عليها! آية يغفل عنها الحس المتبلد بسبب العادة والإلف .. يرى السماوات والأرض قائمة كل صباح وكل مساء، فيحسب ذلك"من طبائع الأشياء!"ويرده إلى أسباب ظاهرة من"قوى الطبيعة!"أو يغفل عنه نهائيًا فلا يحس دلالته على الإطلاق! ولكنها آية ككل آيات الله المعجزة .. فما الذي يحفظ السماوات والأرض ويعطيهما"استمرار الوجود"إلا مشيئة الله وقدره وقدرته؟! ولئن زالتا -بمشيئة الله وقدره وقدرته- فمن ذا الذي يملك في هذا الكون كله أن يبقيهما وقد أزالهما الله؟!

ألا يدرك ذلك بالآية في مطلع السورة:"مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ"؟ بل إنه نفس الجو في مبدأ السورة وفي ختامها!

وفي الآية كما قلنا إنذار خفي، بأن الله يملك -إذا شاء- أن يزيل السماوات والأرض بمن عليها، من أولئك الكفار المكذبين. ثم إشعار برحمة الله وحلمه عليهم إذ لم يفعل!"إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا".

ثم يختم السياق بحديث أخير عن أولئك المكذبين يأتي معه النذير الأخير:

"وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا، اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا، أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا، وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا".

لقد أقسموا بالله جهد أيمانهم من قبل لئن بعث فيهم نبي ليكونن أهدى من اليهود الذين عصوا رسولهم موسى عليه السلام، وعاندوه، وخرجوا على طاعته .. ثم عاشوا ما عاشوا يعصون الله ورسوله ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت