الصفحة 17 من 379

فأما بالنسبة لهذه الآية فليس فيها ما يقطع بأنهم حتمًا ينكرون وجود الله! إن الآية تقرر فقط أنهم ينسبون الإماتة إلى الدهر بدلًا من الله، وأنهم ينكرون البعث. وليس هناك على الإطلاق ما يمنع من أن يكونوا مؤمنين بوجود الله ولكنهم ينفون صلته سبحانه بما يحدث لهم من حياة وموت، كما ينفون قدرته على البعث، وينفون البعث جملة لأن الدهر -الذي ينسبون إليه الأمر- يُهلِكُ فقط، وليست له قدرة على الإحياء!

أما الشيوعيون فليسوا -برغم إلحادهم- استثناء من القاعدة! إنما الإلحاد مفروض عليهم فرضًا بالحديد والنار كالنظام الشيوعي ذاته! ولو خلّى بينهم وبين أنفسهم لكان ضلالهم في أمر العقيدة كضلال بقية الضالين من البشرية! يعرفون الله ولكن على غير حقيقته، ويعبدونه ولكن على هوى أنفسهم!

وإن إصرار الدولة على تدريس الإلحاد في المدارس لهو ذاته دليل على خشيتهم من العقيدة المفطورة في الفطرة وإن ضلت -وكثيرًا ما تضل! - فهم يلاحقونها دائمًا بالتوجيه المضاد في برامج الدراسة، خشية أن تظهر تلقائيًا فتفسد عليهم -برغم كونها ضالة- أصلا هامًا من أصول مذهبهم الشرير، المخطط لإفساد البشرية!

وتكفي هذه الحادثة لتثبت أن الشيوعيين ليسوا استثناء من القاعدة:

فجاجارين رائد الفضاء الأول شاب ربّى في الشيوعية والإلحاد منذ مولده إلى يوم انطلاقه إلى الفضاء في داخل الصاروخ. ومع ذلك فقد اهتزت فطرته حين نظر إلى الكون من خلال الصاروخ، لأنه رأى صورة لم يشهدها من قبل، وكأن أول تصريح له حين هبط إلى الأرض:"حين صعدت إلى الفضاء أخذتني روعة الكون فمضيت أبحث عن الله!".

تلك هي استجابة الفطرة التلقائية إزاء الكون الهائل الذي خلقه الله. لم تستطع كل الشيوعية التي تفرضها الدولة، وكل الإلحاد الذي تبثه في الدروس، أن تحول دون انطلاقها حين هزتها روعة الكون!

ومن الطريف أن"الدولة"غضبت من هذا التصريح، لأنه يهدم كل ما أنشأته خلال خمسين عامًا من الإلحاد! لذلك أمرت"جاجارين"بتصحيح ذلك التصريح الخطير، فأضاف إليه في القراءة الثانية:"... أخذتني روعة الكون فمضيت أبحث عن الله فلم أجده!"ونشرت وكالات الأنبياء هاتين القراءتين المختلفتين للتصريح الواحد .. بغير تعليق!

نعم .. ! تحتاج الفطرة إلى رسول ولا كتاب منزل ليدلها على وجود الله، أو يدعوها لعبادة الله ..

ولكنها في حاجة ماسة للرسول والكتاب المنزل، لتعرف الله على حقيقته، وتقدره حق قدره، وتعبده العبادة الحقة. وتلك كانت مهمة الرسل جميعًا إلى أقوامهم، عليهم صلوات الله وسلامه، كما كانت تلك مهمة الكتب المنزلة جميعًا .. حتى جاء الرسول الأخير -صلى الله عليه وسلم-، ليخاطب البشرية كافة، وجاء الكتاب الأخير مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه.

جاء -قبل كل شيء- ليعرفهم بالله ..

أو لم يكونوا يعرفونه؟!

بلى! ولكنها معرفة ناقصة من ناحية. ومعرفة ذهنية باردة من ناحية أخرى، لا ينبض بها القلب، ولا تتحول إلى وجدان حي ولا سلوك عملي في واقع الأرض.

ومما يلفت النظر كثيرًا أن القرآن سجل على العرب معرفتهم بالله:"وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ" [1] ثم سماهم -مع ذلك-"الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُون"!:"كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ" [2] .

فلم يعتبر معرفتهم السابقة علمًا. ولم يجعل هذه المعرفة السابقة رصيدًا لهم يضيف إليه بيانات جديدة عن الله. إنما محاها محوًا، واعتبرها جهلًا وجهالة، وبدأ معهم من نقطة الصفر، باعتبار أنهم"لا يعلمون"!

(1) سورة لقمان: 25.

(2) سورة البقرة: 113.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت