الصفحة 18 من 379

بل الأعجب من ذلك أنه حين بدأ معهم من نقطة الصفر، بدأ بذات"المعلومات"و"البيانات"التي كانت لديهم بالفعل!

"اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ" [1] .

وكون الله هو الخالق للإنسان كان معروفًا لديهم، وسجله القرآن عليهم:"وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ" [2] !

وكون الإنسان مخلوقًا من علق كان معروفًا لهم كذلك، وسجله القرآن عليهم:"كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ" [3] .

فإلى هنا لم تكن"البيانات"و"المعلومات"جديدة .. وإن كانت قد جدّت فيما بعد أشياء لم يكونوا يعلمونها أو كانوا منكرين لها .. إنما المهم أنه عند الابتداء من نقطة الصفر، بدأ بالمعلومات الموجودة لديهم بالفعل .. فما الفرق إذن بين تلك المعرفة السابقة التي محاها محوًا واعتبرها غير موجودة أصلًا، وسماهم بها"الذين لا يعلمون"وبين هذه المعرفة ذاتها تقدم من جديد؟!

الفرق ليس في"المعلومات"ذاتها، ولكنه في طريقة المعرفة ..

هنالك كانت معلومات باردة ميتة لأنها قائمة في محيط الذهن وحده. وهنا يراد لها أن تكون معلومات حية نابضة، لأنها لا تستكنّ في الذهن، إنما تنتقل إلى القلب، فتنبض في وجدان حيّ، فتتحول إلى سلوك إيماني.

"اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَا وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ، كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى، أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى، إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ...".

هنا لا يجيء خلق الإنسان من علق مجرد"معلومات".. ولا كذلك تعليم الله للإنسان ما لم يعلم .. إنما يجيئان لتحريك وجدان الإنسان نحو الله الخالق واهب العلم، بما ينبغي من الشكر على نعمة الخلق، ونعمة التعليم .. وربما كانت الثانية أفعل، لأن الإنسان يجد نفسه وقد خلق بالفعل، فينسى! ينسى أن الله هو الذي خلقه وأن لم يخلق هكذا تلقائيًا بغير خالق. ولكن التعليم يتم والإنسان مدرك، وينتقل الإنسان أمام عين نفسه من حالة الجهل إلى حالة العلم، فهو حري أن يحس بالنعمة ويقدرها .. وهذا الإيحاء الذي تعطيه الآيات الأولى من السورة، وهو تحريك الوجدان لشكر الله، يتبين واضحًا حين نصطدم بحالة ذلك الإنسان المنعم عليه بتلك النعم، لا في حالة شكر كما ينبغي، بل في حالة طغيان:"كلا! إن الإنسان ليطغى!"ولماذا يطغى؟ لأن الله أعطاه!! أي أن ذات السبب الذي كان ينبغي أن يؤدي إلى الإيمان والشكر، صار يؤدى إلى الطغيان والكفر! وهذه المفارقة بين الحالة القائمة بالفعل، والحالة التي كان ينبغي أن تكون، هي التي تحرك الوجدان للإحسان بقيمة النعمة الربانية وواجب الإنسان السليم الفطرة إزاها .. ثم يجيء ختام هذا المقطع الأول من السورة ليحرك الوجدان حركة أخرى، بالإضافة إلى السابقة:"إن إلى ربك الرجعى"فيبدو هذا الطاغية الصغير، المنتفش في الأرض بغير الحق وقد قُطع عليه الطريق فجأة! إن يدًا جبارة قد قطعت طريقه وهو سائر منتفش متعال على الخلق، ثم أمرته بالرجوع! والرجوع إلى أين؟ إلى الله .. إلى"ربك"الذي منحك ذلك كله فكفرت به وطغيت! وهنا يزول عنه انتفاشه الباطل، وطغيانه المفتون، فيأخذ مكانه الحق: ذليلًا أمام الرب الذي خلق وأعطى، فما قدر حق قدره.

(1) سورة العلق: 1 - 2.

(2) سورة الزخرف: 87.

(3) سورة المعارج: 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت