الصفحة 16 من 379

وما نزل القرآن ليقول للناس إن هناك إلهًا، فإنهم يعرفون ذلك بغير قرآن!:"وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ" [1] بل إنهم ليعرفون معلومات معينة عن ذلك الإله:"قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ، قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ" [2] .

بل ما نزل القرآن -ولا أي كتاب سابق- ليقول للناس إن هناك إلهًا فاعبدوه! فهم يعرفون ذلك ويقومون بالعبادة من ذات أنفسهم، على صورة من الصور يصنعونها لأنفسهم!

إنما نزلت الكتب السماوية كلها وأرسل الرسل كلهم -بما فيهم خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم- ليحدثوا الناس عن العقيدة الصحيحة. ليقولوا لهم: لا إله إلا الله. اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ..

ولم تكن مشكلة البشرية -من أول التاريخ إلى آخر التاريخ- أنهم لا يعرفون وجود الله ولا يعبدونه بصورة من الصور، إنما مشكلتهم أنهم لا يعرفونه المعرفة الحقة، ومن ثم لا يعبدونه كما تنبغي له العبادة سبحانه:"وَمَا قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ" [3] "كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ" [4] .

إن الفطرة البشرية تتجه إلى الله من تلقاء ذاتها بغير كتاب منزل ولا رسول ..

فلقد أودع الله فيها هذا التوجه إلى الخالق بطريقة لا نعلمها:"وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا" [5] .

كيف أشهدهم؟ لا نعرف! ولكنا نرى في عالم الواقع أن البشر يتجهون توجهًا فطريًا إلى الخالق، ولو لم يدلهم عليه أحد. ويتوجهون -فطرة- إلى عبادته، ولو لم يأمرهم بذلك أحد أو يوجههم إليه. ولكنهم كثيرًا ما يضلون في تصورهم للخالق سبحانه، فيتصورونه على غير حقيقته، ويتصورون وجود آلهة أخرى معه، ثم يعبدونه على هوى أنفسهم بغير ما تعبّدهم به، ويشركون معه في العبادة تلك الآلهة المتوهمة ليقربوهم إليه زلفى كما يزعمون:"وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى" [6] أو يعبدون تلك الآلهة المزعومة وحدها -في الواقع- من دون الله.

وعندئذ ينزل الله الكتاب ويرسل الرسول ليصحح للناس عقيدتهم لا لينشئها -فهي موجودة بأصل الفطرة- وليقول لهم: لا إله إلا الله. اعبدوا الله ما لكم من إله غيره.

ولقد يخيل إلينا أحيانًا أن الجاهلية المعاصرة استثناء من هذه القاعدة، لأن فيها شعوبًا بأسرها لا تعرف الله البتة، ولا تعبده البتة. بل تدرس الإلحاد في المدارس، وتخرّج ملحدين لا يعرفون الله ولا يؤمنون بوجوده.

كما أن بعض المفسرين قالوا عن"الدهريين"الذين يحكي القرآن قولهم:"وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ .." [7] إن هؤلاء القوم ينكرون وجود الله ويؤمنون -بدلًا منه- بالدهر.

(1) سورة لقمان: 25.

(2) سورة المؤمنون: 84 - 89.

(3) سورة الزمر: 67.

(4) سورة عبس: 23.

(5) سورة الأعراف: 172.

(6) سورة الزمر: 3.

(7) سورة الجاثية: 24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت