وبصرف النظر -مؤقتًا- عما في هذه الإجابات كلها من ضلالة وانحراف، فإن الذي يعنينا الآن منها أنها -رضيت أم أبت تقدم"تصورًا"معينًا للكون والحياة والإنسان وعلاقاتها كلها"بالخالق" [1] وعلاقات بعضها ببعض، كما تقدم إجابات للأسئلة التي تلح على الفطرة -بوعي أو غير وعي- وهذا كله قبل أن تقدم الصورة التطبيقية والحل العملي الذي تظن أنه يصلح الحياة البشرية ويقومها!
ومهما حاولت المادية الجدلية أن تزعم أنها ضد"الميتافيزيقا"ولا علاقة لها بها على الإطلاق لأنها مادية بحتة أو"علمية!"بحتة، فستظل دعواها قائمة على غير أساس واقعي، ما دامت"فلسفتها"تتعرض للإجابة على هذه الأسئلة بالذات، وتحاول أن تعطي"تفسيرًا"شاملًا للحياة، مبنيًا على"تصور"شامل لعلاقاتها بعضها ببعض.
وكون هذه الإجابات مادية بحتة -كما هو ظاهر- لا ينفي أنها في أصلها إجابات على أسئلة غير مادية، وأنها"تصور"معنوي يسبق التطبيق الواقعي ويضع له القواعد والمفسرات!
وهذا هو الجوهر الحقيقي للموضوع.
إن الإنسان -بحكم تكوينه، وبوعي منه أو بغير وعي- لا بد أن تكون له عقيدة!
وهذه العقيدة، التي هي تصوُّر شامل للكون والإنسان، وعلاقاتها بالخالق، وعلاقاتها بعضها ببعض، هي الأساس الذي تتبنى عليه الصورة التي يكون عليها وجود الإنسان في الأرض، سواء وجوده المادي أو وجوده المعنوي، وسوا وجوده السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي ..
وليس من الضروري أن يكون كل إنسان واعيًا لهذا التصور الشامل أو أصيلًا فيه. فقد يعيشه على غير وعي كامل منه، وقد يكون فيه مقلدًا للآخرين وخاصة أصحاب السلطان في المجتمع، الذي يشكلون في العادة أنماط التفكير والسلوك في مجتمعاتهم، ثم تتبعهم"الجماهير"مختارة، أو مقهورة على التقليد!
ولكن هذا كله لا يغيّر الحقيقة الواقعة، وهي أن هذه العقيدة أو هذا التصور الشامل هو الذي يضع دستور الحياة ويشكل أنماطها وقوالبها، وهو الذي يرسم للإنسان أفكاره ومشاعره وأنماط سلوكه، ويحدد له علاقته بالخالق، وعلاقته بالكون والحياة والإنسان.
ليس اهتمام القرآن بالعقيدة إذن ناشئًا من إنكار العرب في الجاهلية، ولا ناشئًا من أنه كتاب"دين"!
إنما سببه أن الله اللطيف الخبير الذي يعلم حقيقة النفس البشرية وتكوينها، يعلم كذلك أن العقيدة هي محور ارتكاز الإنسان كله وموجّه ألوانه نشاطه. وأن نوع الحياة التي يحياها الإنسان في الأرض -فضلًا عن مصيره في الآخرة- مرهون كله بنوع العقيدة التي يعتقدها ويسير- من ثم- بمقتضاها. مرهون بالإجابة على تلك الأسئلة التي تلح على الفطرة وتتطلب إجابات محددة عليها:
من خالق هذا الكون؟
من مدبر الكون ومدبر الأحداث؟
من أين جئنا؟
إلى أين نذهب بعد الموت؟
لأي غاية نعيش؟
ومن حصيلة ذلك كله تجيء الإجابة على السؤال الأخير: على أي صورة وعلى أي منهج نعيش؟
فإذا أوْلى القرآنُ العقيدةَ هذا الاهتمام كله فهذا هو الأمر الطبيعي، وهذا هو المتوقع من كتاب يرسم للناس منهج الحياة.
يهتم القرآن اهتمامًا بالغًا بأمر تصحيح العقيدة ..
وإلا فإن العقيدة بمعناها المطلق، أي الإيمان بوجود خالق هذا الكون، ثم وجود مجموعة من التصورات في أذهان الناس حول ذلك الخالق تطبع بطابعها واقع الحياة في الأرض .. هذا كله لا يحتاج إلى كتاب منزل ولا إلى رسول!
(1) هم ينكرون"الإله"بمعناه الديني الذي نعرفه، ولكنهم يقولون إن"الطبيعة"هي التي خلقت الكون؛ وإن الطبيعة قوانين حتمية هي التي تدير الكون!