هذه آية أخرى مما يتبلد عليه الحس بحكم الإلف والعادة .. البحر العذب والبحر الملح. وهي عجيبة من عجائب الخلق ننساها لأننا -في أحسن أحوالنا- نردها إلى الأسباب الظاهرة .. إلى"قوى الطبيعة"! وننسى أن قوى الطبيعة المزعومة هذه لا تخلق! ولا تعمل شيئًا من تلقاء ذاتها، إنما بما أودع في الكون من سنن ربانية يجري الكون عليها. ومن حصيلة هذه السنن يوجد ماء عذب يجري في الأنهار [يسميها هنا بحارًا للمشاكلة اللفظية، وإن كان لا يخرج عن معنى اللفظ في اللسان العربي] وماء ملح تعج به البحار والمحيطات. وهذا وذاك من خلق الله، ويتم بمشيئة الله. واختلافهما وهما من مصدر واحد كان كفيلًا أن يوقظ الحس لحقيقة القدرة الكامنة وراء وجودهما ووراء اختلافهما. ثم هناك مع هذا الاختلاف عجيبة أخرى .."وَمِن كُلٍّ تَاكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا"وهي -لولا تبلد الحس عليها -عجيبة مذهلة، ككل شيء في هذا الكون المعجز العجيب. وإلا .. فكيف -لولا قدرة الله المعجزة- يوجد السمك مثلًا- وهو من اللحم الطري المقصود في الآية -في الماء العذاب والماء الملح؟ وكيف ألهم الإنسان، وكيف استطاع، أن يستخرج هذا اللحم الطري ويأكله؟ والحلية -في اللؤلؤ الموجود في الماء- شأنها كذلك .. إنها من عجائب الخلق التي لا ينتبه إليها الحس المتبلد، فيوقظه إليها السياق ليذهب عنه تبلده، ويحسها بكل دلالتها .. والفلك التي تمخر الماء بكلا نوعيه: العذب والأجاج، والتي يركبها الناس ليبتغوا من فضل الله .. كلها .. كلها .. شواهد على القدرة المعجزة التي تدعو الإنسان ليحمد الله .. ويؤمن بالله .. ويشكر الله .."وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ".
والليل والنهار والشمس والقمر ..
كلها من آيات القدرة التي يتبلد عليها الحس لتكررها وإلف الحس لها .. ولو حدثت أمام الإنسان أول مرة لاهتز لها وجدانه اهتزازًا، لأنه يومئذ يتلقى شحنتها الكاملة ويتيقظ لدلالتها .. فالسياق هنا يعطيه الهزة الواجبة، ليتلقى الشحنة كاملة.
"ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ".
"ذَلِكُمُ اللَّهُ".. فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلًا أولي أجنحة .. الذي يفتح للناس من رحمته فلا يمسكها أحد، ويمسكها فلا يرسلها أحد من بعده .. الذي أرسل الرياح فتثير سحابًا فتحيا به الأرض بعد موتها .. الذي يملك العزة الحقيقية وحده ويهبها للمؤمنين وحده .. الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة .. ويعلم ما تحمل كل أنثى وما تضع، ويسجل عمر من يعمر وعمر من ينقص من عمره .. الذي خلق البحر العذب والبحر الأجاج وأخرج منه لحمًا طريًا وحلية وأجرى فيه الفلك .. الذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ..
"ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ"..
إن السياق مستمر من أول السورة، سياقًا واحدًا متصلًا لا انقطاع فيه .. يجول بالوجدان البشري هذه الجولات المتلاحقة في آيات القدرة الربانية المعجزة .. ليحصره أمام هذه النتيجة:"ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ".. فكيف تدعون أحدًا من دونه"وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ"وهو الغشاء الرقيق الذي يغطي النواة داخل التمرة .. أي .. أحفر شيء في هذا الوجود؟!!
أي منطق سخيف ذلك الذي يسول للفطرة المنتكسة هذا البيان المفصل كله، أن تدعو أحدًا من دون الله لا يملك -فضلًا على أن يخلق- أتفه شيء في الكون؟
"إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ".. فهم أصنام لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل ..