"وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ".. إنها استحالة كاملة يرسمها السياق .. ولكنه يندرج بها كأنما يستدرجهم ليستنفد آخر ما في خيالهم المريض من تصورات .. فهم يعلمون أنها لا تسمع الدعاء ومع ذلك يخادعون أنفسهم ويتصورون في داخلها أرواحًا تسمع وتبصر وتقدر .. فكأنما يمضي السياق مع تصوراتهم الخاوية هذه ليستدرجهم ويخرج بهم إلى الخواء!"وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ".
ثم المفاجأة التي لا يتصورونها إطلاقًا ولا يعلمون عن حقيقتها شيئًا:
"وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ".
وإنها لمفاجأة من كل جانب! فهذه الأصنام التي يكلمونها اليوم ولا تكلمهم، لأنها لا تنطق، هي التي تنطق يوم القيامة وهم إزاءها مشدوهون من هول المفاجأة!
وتنطق لتقول ماذا؟! تنطق لتكذّبهم! لتقول لهم: إنكم ما كنتم تعبدوننا! فما كنا نحس بعبادتكم!"وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ، فَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ" [1] "وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا، فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا ..." [2] وما أشد المفاجأة حين يتخلى المدعو عن داعيه الذي يعتمد عليه الاعتماد كله، ويقول له إن دعاءك لم يصلني قط!
وهم بطبيعة الحال لا يصدقون ذلك! فهو يؤكد لهم:
"وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ".
"يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ، إِن يَشَا يُذْهِبْكُمْ وَيَاتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ، وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ، وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ، وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ، وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ، وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ، وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ، إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ، إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ، وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ، ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ".
بعد الآيات السابقة كلها، التي مضى السياق بها من أول السورة في تتابع متصل، يتحول الحديث إلى"الناس"من البيان إلى الموعظة والنذير:
"يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ".
(1) سورة يونس: 28 - 29.
(2) سورة الفرقان: 17 - 19.