"وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا".. فإذا جاء ذكر الأزواج والتزواج تحدث عن الحمل والوضع وعن علم الله المحيط به .. ولكن أهي ذات الصورة التي وردت في سورة الرعد؟ فلننظر:
"وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ"!
إنها جولة واسعة يطوف فيها الخيال مع كل أنثى تحمل وكل أنثى تضع .. فإن"ما"و"مِن":"وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى .."تفيدان الشمول والحصر .. ومع ذلك فهي صورة مختلفة وإن بدا لأول وهلة أنهما متماثلتان!
هناك تحدث عن علم الله بما في داخل الأرحام من حمل: بالأجنة على اختلافها. وهنا يتحدث عن عملية الحمل ذاتها وعملية الوضع:"وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ .."ويجري الخيال مع السياق يستعرض -إن استطاع- كل أنثى تحمل وكل أنثى تضع .. وما يستطيع الخيال أن يحصى، حتى لو حصر نفسه في نطاق الإنسان، الذي يوحي السياق هنا بأن الحديث خاص به .. لا يستطيع أن يحصي كل حمل وكل وضع .. ثم يربط كل حمل وكل وضع بعلم الله الشامل الدقيق ..
غير أن السياق هنا يستوقفنا لتتملى الصورة .. إنه لا يقول في صورة الإثبات: إن كل أنثى تحمل وكل أنثى تضع يعلم الله حملها ووضعها .. إنما يجيء التوكيد في صورة النفي والاستثناء:"وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ"..
هل اختلف المعنى بين صورة الإثبات، وصورة النفي والاستثناء؟!
نعم .. كثيرًا جدًا!
ربما لا يتغير"المعنى الذهني"كثيرًا .. ولكن المعنى النفسي أو الواجداني .. أو قل: الصورة التي تتكون في الحس والوجدان تتغير كثيرًا ما بين الصيغتين.
إن الأولى تقرر مجرد علم الله الشامل بكل أنثى في حالة حملها وحالة وضعها ..
أما الثانية فهي تنفي أن تحمل أي أنثى أو تضع إلا بعلمه!
زيادة في التوكيد؟ نعم .. هذا أول أثر للصيغة الثانية في النفس .. ولكن أثرها لا ينتهي عند زيارة التوكيد؟ إنها تعطي معنى متخيلًا: أن أية أنثى لا تستطيع أن تحمل ولا أن تضع إلا بعلم من الله! وكأنما العلم هنا هو الإذن! فلا تستطيع أنثى أن تحمل إلا أن تستأذن القدرة القادرة، ولا أن تضع حملها إلا أن تستأذن القدرة القادرة!"وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ"!
ويمضي السياق مع حلقات الخلق، بعد الحمل والوضع، فيتحدث عن العمر، ما يُمَدّ منه وما يُنقص:"وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب"لا شيء يذهب بلا إحصاء! لا تفلت حالة واحدة من هنا ولا من هنا دون تسجيل! في عمر البشر كله من خلقه من التراب إلى آخر إنسان تطأ قدماه ظهر الأرض:
"إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ".
ثم مزيد من البيان ..
"وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَاكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ، إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ".