تلك قضية"العزة"بالنسبة"للملأ"في كل جاهلية .. أما"العبيد"فقد كان المظنون أن يسارعوا إلى الإيمان لأنه هو الذي يخلصهم من ذل العبودية للعبيد، حين ينقلهم إلى عزة العبودية الحقة لله .. ومع ذلك فإنهم هم كذلك قلما يستجيبون في مبدأ الأمر! إنهم عبيد جاهلية! وليس معنى كونهم مستضعفين ومستذلين ومظلومين أنهم على الحق .. كما تحاول أن تقول لهم الدعوات الخادعة لتستميلهم إلى جانبها، ريثما تستعبدهم من جديد لحسابها!
إنهم عبيد جاهلية .. يستهويهم السلطان الجاهلي فيرتضون العبودية له. وينخدعون بظاهر السلطة الموقوتة فيحسبون أنها دائمة، ويرفضون الخروج عليها خوفًا منها:"وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا" [1] فيعلمون أنه الهدى، ومع ذلك يأبون الدخول فيه خوفًا من سلطان الأرض الزائف، ولا يصدقون أن العزة لله جميعًا، وأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين .. وينسون أن الملأ لم يصيروا أصحاب سيادة وتجبر، إلا لأنهم هم -العبيد- قد ارتضوا أن يكونوا عبيدًا لله، أعزة بالإيمان!!
من أجل ذلك يقول السياق القرآني لهم جميعًا، سادة وعبيدًا:"مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا"فلا ترتجى العزة الحقيقية إلا بالالتجاء إليه، سبحانه، ولا يتذوقها إلا الذين يؤمنون بالله حق الإيمان. فيستعلون بالإيمان على أولئك العبيد، الذين يسمون أنفسهم سادة ذوي سلطان .. أو سادة ذوي جبروت!
ويعود السياق إلى قضية الإيمان .. لمن شاء أن يؤمن .. لمن كان في حاجة إلى مزيد من البيان:
"وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ".
تذكرنا هذه الآية بأختها في سورة الرعد:"اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ" [2] . وتجول بنا مثل الجولة التي طوف فيها الخيال والوجدان هناك ..
ولكن القرآن جديد دائمًا ولو تكررت الإشارة ذاتها في أكثر من موضع [3] . إنه هنا يبدأ قصة الخلق من أولها، ويجيء علم ما في الأرحام حلقة من حلقات الخلق:"وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ"وهذه وحدها آية."ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ"وتلك آية أخرى."ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا"وهذه آية ثالثة .. فما تستطيع غير القدرة القادرة أن تخلق الإنسان ابتداء من تراب. وما تستطيع غير القدرة القادرة أن تجعل نسله بعد ذلك من نطفة. وما تستطيع غير القدرة القادرة أن تجعل هذه النطفة، الناتجة في كيان ترابي الأصل، تصبح"أزواجًا"ذكورًا وإناثًا يتم بينهم التزاوج ليخرج النسل! وليس شيء من ذلك"حتمية"من حتميات الخلق! ولا حتى صادرًا صدورًا تلقائيًا من الخلق في صورته الأولى بعد تسويته من التراب! إنما هي القدرة، التي تخلق كل شيء بمشيئتها،"وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ".
وما أتفه ما يقوله قلب جاحد كقلب دارون، إذ يقول مرة:"إن الطبيعة تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها!"ثم يقول مرة أخرى:"إن الطبيعة تخبط خبط عشواء (!) ولا تسير في خط منتظم في تطورها!"وذلك بدلًا من أن يرد معجزة الخلق للخالق القدير سبحانه، وأن يقر بعجزه عن فهم ما لم يستطع فهمه من شئون الخلق!
(1) سورة القصص: 57.
(2) سورة الرعد [8] راجع سورة الرعد فيما مضى من الكتاب.
(3) انظر الفصل التالي"ظاهرة التكرار في القرآن".