هو -سبحانه- وحده العزيز بحق، المالك للعزة بحق .. وأما هذه السلطة المغتصبة التي يعتز بها الملأ في الجاهلية وتصدهم عن الإيمان بالله، فهي سلطة زائفة [فضلًا على أن الله هو الذي أمدهم بها إملاء واستدراجًا"لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ"[1] ]وهي سلطة موبقة لأنها تؤدي بهم إلى جهنم وبئس المهاد:"وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ"وليست العبرة ببضعة أيام على الأرض يستمتع فيها هؤلاء الملأ بالسلطة الزائفة، المعطاة لهم من عند الله استدراجًا .. إنما العبرة بالخواتيم .. وبالحياة الدائمة بعد ذلك في عذاب المذلة ومذلة العذاب:"أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ، ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ، مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ" [2] .
أما الذين آمنوا فلهم في مقابل ذلك النعيم الخالد، لأن الله يسجل أعمالهم الطيبة في الدنيا ويرفعها إليه، فيجزيهم بها في الآخرة ما تستحقه عنده من نعيم:"إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ".
ولا يفوتنا هنا أن نقف عند هذه الإشارة الدالة: فالإيمان كما تعبر عنه الآية"كلم طيب"و"عمل صالح"وليس واحدًا منهما دون الآخر.
تلك هي الحقيقية الأولى بشأن"العزة"التي يغفل عنها الملأ في كل جاهلية ..
أما الحقيقة الثانية المستمدة من الحقيقة الأولى فهي: أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين!
وتلك حقيقة أخفى على الفِطَر المنكوسة والنفوس الملتوية من الحقيقة الأولى! ذلك أنهم يرون المؤمنين -في أول عهد الدعوة- لا حول لهم ولا قوة، مشردين في الأرض، معذب بأيدي الملأ أنفسهم، لا سلطان لهم في الأرض، ولا وزن لهم في مجرى الأمور .. فيغشى ذلك بصيرتهم عن حقيقتين كبيرتين: أن المؤمنين -حتى في عذابهم ذلك وانعدام"السلطة"في أيديهم -أعز بما لا يقاس من جبابرة الأرض المتمكنين في الأرض بالباطل .. لأنهم يعتزون بالله، وبالإيمان بالله، فيرخص في نفوسهم كل متاع الأرض الزائل، الذي يستعبد الجبابرة فيذلون له، ويبيعون آخرتهم من أجله .. ويستعلي في قلوبهم الإيمان فيحسون في قرارة أنفسهم أنهم أكبر من كل ذلك الباطل المستعلي بجبروته، وأنهم أعظم في واقع الأمر من معذبيهم، لأنهم يملكون"الحق"وأولئك يملكون"الباطل".. ولأن معذبيهم لا يملكون منهم إلا أجسادهم الفانية، أما أرواحهم فهي طليقة معتزة .. معتزة بالإيمان بالله.
وأما الحقيقة الثانية التي يغفل عنها الملأ فهي أن"ميزان السلطة"لا يظل إلى الأبد في أيديهم! وأن هذه الفترة التي يستعلون فيها بالباطل، ويذيقون المؤمنين العذاب، هي فترة يقدرها الله لحكمة عنده، وليست ناشئة من سلطة ذاتية في يد الملأ غير قابلة للزوال! إنما هي فترة يتمحص فيها المؤمنون بالابتلاء، ليتم تجردهم لله، وليُعَدّوا لحمل الأمانة الضخمة، وهي إقامة الحق والعدل بين الناس في الأرض .. وعندئذ ينتقل"ميزان السلطة"بقدر الله الغالب، من أيدي الجبابرة المتحكمين بالباطل، إلى أيدي المؤمنين الذين أعدهم الله على عينه -في فترة الابتلاء- لتسلم"السلطة"من أولئك المتجبرين .. وعندئذ تتحقق"العزة"واقعًا ملموسًا للمؤمنين، بعد أن تحققت من قبل مشاعر مستعلية بالإيمان ..
(1) سورة النحل: 25.
(2) سورة الشعراء: 205 - 207.