وهؤلاء"المتعالمون"يثيرون قضية جانبية لا قيمة لها في الحقيقة .. فإذا كانت البذور والنطفة تحتوي على حياة"كامنة"فمن الذي أودع فيها هذا القدر من الحياة الكامنة؟ ومن الذي أودع في جنين البذرة أن"يحيا"بمعنى ينمو ويتحرك حين يصيبه الماء، وأودع في النطفة أن"تحيا"بمعنى تنمو وتتحرك حين يتم الإخصاب؟
فالأمر كله مرده إلى معجزة"الخلق"ابتداء .. سواء كانت الحياة التي يعاد بعثها كامنة أو غير كامنة .. لذلك يقول في مواضع أخرى:"أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" [1] ويقول:"أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" [2] ... فيردهم بذلك إلى أصل القضية: قضية القدرة التي لا يعجزها شيء.
ثم يتحول السياق إلى قضية أخرى من القضايا التي تصد الناس عن الإيمان في تلك الجاهلية العربية وفي كل جاهلية:
"مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ".
"مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ...".
إن الجاهلية تأبى الدخول في الإيمان حرصًا على"العزة"التي في أيديها والتي تظن أن الإيمان سيضيعها عليها بصورة من الصور!
فأما"السادة"أو"الملأ"كما يسميهم القرآن، ففي أيديهم بالفعل سلطة وسيادة مغتصبة من صاحبها الحقيقي، وهو الله سبحانه وتعالى. سلطة يتحكمون بها في رقاب الناس، أي في رقاب"العبيد"الذين يستعبدونهم لأنفسهم ولأهوائهم، ولو كان ذلك تحت شعار"الحرية والإخاء والمساواة"! كما تصنع الرأسمالية منذ القرن الماضي، فتستعبد ملايين البشر لأهوائها ومصالحها، وهي ترفع ذلك الشعار الخدّاع .. أو تحت شعار"الديمقراطية الحقيقية!"و"الزعيم"، وهي ترفع شعار الديمقراطية .. أو تحت أي شعار مما تفنن"الملأ"دائمًا في رفعه ليستعبدوا به العبيد!
هؤلاء"السادة"يرفضون الدخول في الإيمان حرصًا على هذه"العزة"التي في أيديهم، والتي يحسون أنهم سيفقدونها حين يرضخون لعبادة الله الواحد، الذي تتساوى في العبودية له جميع النفوس وجميع الرءوس!
ولا شك أنهم بالفعل سيفقدون ذلك السلطان المغتصب الذي يتحكمون به في رقاب الناس بالباطل .. ولكن نفوسهم الملتوية وفطرتهم المنكوسة لا تستطيع أن تدرك جملة الحقائق الإيمانية التي يدركها -بالفطرة السوية والنفس المستقيمة- كل من دخل في دين الله.
أول هذه الحقائق وأعظمها أن العزة لله جميعًا ..
(1) سورة يس 80 - 81.
(2) سورة الأحقاف: 33.