الصفحة 161 من 379

وبمقتضى هذا العلم سيحاسبهم يوم الحساب على ما يصنعون .. فقضيتهم -كأفراد بأعيانهم- منتهية! ولا داعي للأسى عليهم بعد اليوم، وقد تبين سبب موقفهم، وتبين اتجاههم الذي يسيرون فيه!

أما قضية الإيمان .. لمن شاء أن يؤمن .. لمن كان في حاجة إلى مزيد من البيان .. فهذا مزيد من البيان!

"وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ".

هذا مشهد متكرر .. يتبلد الحس عليه بسبب الإلف والعادة، فلا يلتفت إلى دلالته الحقيقية، ولا يتلقى الوجدان شحنته كاملة ..

الله هو الذي أرسل الرياح .. هو الذي أرسلها أصلًا .. فهي ليست مرسلة من ذات نفسها! وليست"قوى الطبيعة!"هي التي أرسلتها! وإلا .. فمن خلق قوى الطبيعة هذه وجعلها ترسل الرياح؟! وهل كانت"الطبيعة"لولا ما أودع الله في فطرتها من سنن وقوانين -وهو"فاطر"السماوات والأرض" ولولا إجراؤه كل شيء فيها بقدر معين موزون، من حرارة وجاذبية وأوضاع محددة ينشأ عنها الليل والنهار والحر والبرد .. الخ .. هل كانت"الطبيعة"من تلقاء ذاتها، لولا هذا الإجراء الرباني الدقيق، تستطيع أن ترسل الرياح وتحدد لها مساراتها؟!"

كلا! إن الله هو الذي أرسل الرياح ابتداء بقدر منه .."فَتُثِيرُ سَحَابًا"أي فجعلها تثير سحابًا .. واستخدام الفعل المضارع بعد الفعل الماضي، ثم العودة إلى استخدام الماضي، لا بد أن تكون له دلالته .. فكل شيء بميزان!

أرسل الرياح بقدرته ومشيئته، وجعل من شأنها أن تثير سحابًا .."فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ"باستخدام الفعل الماضي مرة أخرى .. أي فسقناه بقدرتنا ومشيئتنا، وبقدر خاص منا، إلى بلد ميت"فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا".

ذلك هو المشهد المكرور الذي يتبلد الحس عليه فلا يلتفت إلى دلالته .. إما بغفلة تامة عن حدوثه، وإما بنسبته إلى الأسباب الظاهرة من"قوى الطبيعة!"ونسيان المسبب الحقيقي وهو الله ..

والسياق يحيي المشهد بإعطائه الدلالة المنسية .."وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ".."فسقناه".."فأحيينا ..".

ثم يصل إلى دلالة خاصة، مطلوبة هنا بالذات، ومن أجلها يسوق هذا المشهد بصفة خاصة، ويزيل عنه إلفه المكرور ..

"كَذَلِكَ النُّشُورُ ..".

إن المكذبين بالبعث يكذبون لأنهم يستهولون الأمر جدًا ويستعظمونه! ويستكثرون على قدرة الله أن تبعث الموتى. ومن ثم يلفتهم إلى ظاهرة"الإحياء"التي تتم أمامهم، هنا في الأرض، ويرونها على الدوام، ثم لا يدركون ما وراءها من قدرة معجزة، أو لا يلتفتون إليها بحس منفتح .. أليست هذه الأرض"ميتة"فأحياها الله بالمطر النازل بقدرته ومشيئته؟ فلماذا يجوز في حسهم أن يقدر الله على إحياء الأرض الميتة، ثم لا يجوز أن يقدر على إحياء الموتى يوم القيامة .. والإحياء هو الإحياء .. والمحيي هو المحيي في الحالتين!

ولنا هنا وقفة مع"المثقفين"أو"المتعالمين"في عالم اليوم .. إذ يقولون إن الأرض ليست"ميتة"في الحقيقة! وإن المظر لا"يحيي"الأرض على الحقيقة. لأن البذور التي يسقيها المطر حية حياة كامنة في جنينها، وإنه لو مات الجنين فإن المطر لا يستطيع إحياءها. وكذلك"النطفة"التي يمثل بها القرآن للإحياء هي حية في الحقيقة وليست ميتة! ولذلك لا يجوز الاحتجاج بهذه ولا تلك على قدرة الله على بعث"الموتى"الحقيقيين يوم القيامة!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت