إن الله يعلم حقيقة نوايا الشيطان .. فهو الذي توعد أمام الله أن يغوي بني آدم ويحول بينهم وبين الرجوع إلى الجنة .. لذلك فهو -سبحانه- يعظ بني آدم ألا يغتروا بالصداقة الخادعة التي يبذلها الشيطان لهم، إذ يتمسح فيهم في صورة المحبّ الناصح الأمين، الذي يرجو لهم الخير ويدلهم عليه:"وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ، فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ" [1] .".. قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى" [2] .
والله سبحانه وتعالى يُعْلِم البشر بأن الشيطان لهم عدو .. فماذا ينبغي للعدو؟ أيجوز أن تتخذ عدوك الذي يكرهك ويتمنى لك الشر صديقًا؟ أمن الحكمة أن تستمع لوسوسة عدو لا يألوك عنتًا ولا خبالًا؟! إنما ينبغي أن تتخذه عدوًا كما هو في حقيقته ..
"إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ".
ويا لها من دعوة!
ولو أنها كانت دعوة مكشوفة إلى النار، فلربما أحجم كثير من الناس عن تلبية الدعوة .. أو بعضهم على الأقل! أما وهي دعوة مغلفة بالنصيحة الحلوة، وبالمتاع الحاضر، وباللذائذ القريبة .. فإن حس البشر ليتغشاه الضباب، فلا يحسن الرؤية .. ويدخل في روعه أن اللحظة الراهنة -أو الحياة الدنيا- هي نهاية المطاف .. وأن ليس وراء الضباب شيء يستحق أن ينعم النظر فيه! .. ومن أجل ذلك يأتي النذير:
"الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ".
الذين استمعوا إلى غواية الشيطان، ولبوا دعوته الخادعة .. أولئك"لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ". أما الذين استمعوا إلى الموعظة الربانية فآمنوا وعملوا الصالحات فأولئك"لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ".
ثم يتوجه الحديث إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم-، الذي كانت نفسه الكريمة تذهب حسرات على الذين كفروا وأصروا على كفرهم، ولم يستمعوا إلى دعوة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ومضوا في تكذيبهم للوحي والرسالة والبعث والحساب .. يتوجه الحديث إليه -صلى الله عليه وسلم- ليقول إن إصرار هؤلاء على ما هم فيه من كفر وتكذيب ليس عن تقصير منه في الدعوة والبيان .. وليس كذلك عن قصور في البيان الرباني عن توضيح الحق، وإنما لسبب آخر في أنفسهم هم، لا يرجى معه صلاح مهما نزل من عند الله من الآيات البينات، ومهما جاهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- لإقناعهم بالحق الرباني ..
"أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ"..
إن هذه هي المسألة: زين لهم سوء أعمالهم .. فهم يرون هذا الكفر والتكذيب هو الحسن وهو الصواب! لقد فتحوا قلوبهم للشيطان فوسوس إليهم وزين لهم سوء أعمالهم فأصروا عليها .. فماذا يمكن أن يصنع لهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقد أوصدوا قلوبهم عن الحق وفتحوها لغواية الشيطان؟!
كلا!"فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ .."يضل أولئك الذين يرون الكفر حسنا، ويهدي الذين يفتحون قلوبهم للإيمان.
"فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ".
إنهم من ناحية لا يستحقون هذا الأسى الممض الذي يحس به الرسول -صلى الله عليه وسلم- من أجلهم .. ومن ناحية أخرى فإن ذلك لن يجدي شيئًا! لقد كتب عليهم أن يمضوا في هذا الطريق الذي يرونه حسنًا إلى نهايته المحتومة:
"إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ".
(1) سورة الأعراف: 21 - 22.
(2) سورة طه: 120.