الصفحة 159 من 379

ولكن السياق -كما نرى- لا يقول: هل من رازق غير الله يرزقكم من السماء والأرض؟ إنما يقول:"هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ". وأقرب ما يرد على الخاطر أن السياق يذكّر الناس بالله الخالق والرازق في ذات الوقت .. ولكن السياق إذ يجمع بين الخلق والرزق هكذا يشير إلى معنى معين .. أن الرزق هو خلق يخلقه الله الخالق سبحانه وتعالى! فالله ليس فقط مرسل الرزق ولكنه خالقه أيضًا! والرزق ليس موجودًا من ذات نفسه، فتنحصر قدرة الله في إرساله للناس، بل هو -ككل شيء في الوجود- يُخْلَق بقدر من الله:"إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ" [1] ثم يرسل إلى الناس، نعمة من عند الله. ومن ثم تلفتنا الآية إلى هذه الحقيقة بهذه اللفتة اللطيفة:"هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم ..".

ويجول القلب البشري تلك الجولة الثالثة مع رزق الله من السماء والأرض .. ويبحث الخيال مع كل رزق هابط من السماء أو خارج من الأرض: هل من خالق غير الله يخلق هذا الرزق وينعم به على الناس؟!

"لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ".

هل بقى شك بعد تلك الجولات الثلاث المتوالية في أنه إله واحد، هو الذي يخلق وهو الذي يرزق، وهو الذي ينعم .. وهو القادر وحده الذي لا حد لقدرته؟!"فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ".

"وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ".

إن يكذبوك بعد هذه الآيات كلها، التي عرضها السياق في ثلاث جولات متتابعة، فما كنت وحدك الذي كذبه قومه. بل ذلك ما حدث للرسل من قبلك. والأمر كله مرجعه إلى الله، هو الذي يدبر، وهو الذي يقرر. وهو الذي يعلم من يهتدي ومن يضل.

"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ، إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ".

إن الله يبذل الموعظة للناس حتى لا يقعوا في فخاخ الشيطان:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ"وعده بالبعث والحساب، والثواب والعقاب .."فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا"فتغرقوا في متاعها الزائل وتنسوا ذلك الوعد الحق، فمن طبيعة الاستغراق في المتاع أن يُلَهّى .. فينسى الإنسان كل شيء وراء لحظته الراهنة التي يستمتع فيها بذلك المتاع. بل إن من طبيعته أن يُلًهّي أحيانًا عن بعض مطالب الدنيا ذاتها! ولو كانت ضرورية للمعاش! فكيف بالآخرة البعيدة عن الحس، كيف يتيقظ لها ذلك القلب الغارق في المتاع؟

بل إن هذا هو العمل الرئيسي للشيطان! تزيين الأرض لتستغرق الحس:"قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ" [2] ومتى استغرق الحس في متاع الأرض فما أسهل على الشيطان أن ينزع الآخرة نزعًا من ذلك الحس، فلا يعمل حسابها وإن أقر -نظريًا- بوجودها .. أو لا يؤمن بها على الإطلاق!

لذلك يقول:"فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ"فينسيكم الله، وينسيكم وعد الله.

"إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا"!

(1) سورة القمر: 49.

(2) سورة الحجر: 39 - 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت