ويروح خيالك يجري الشوط الجديد كما جرى الشوط الأول .. هذه الرحمة أمسكها الله، لحكمة يريدها،"وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ".. فلتجتمع كل قوى السماوات والأرض، لتنتزعها من حيث أمسكها الله، وترسلها في أي وجهة تريدها! .. فهل نستطيع؟! كلا! لقد حبست وانتهى الأمر .. ولن تستطيع كل القوى أن ترسلها من محبسها!
وهكذا يمضي الخيال هذين الشوطين المتعاقبين، وراء قدرة الله القاهرة، سواء في إرسال الرحمة للناس أو إمساكها عنهم .. ويهتز الوجدان وينفعل بتلك الحقيقة الهائلة .. فيتوجه لله بالحمد .. ويتوجه بالطاعة .. ويتوجه بالإيمان.
إن الحس البشري كثيرًا ما يتبلد إزاء انفتاح الرحمة أو إمساكها، فلا يراها في صورتها الحقيقية، ولا يردها إلى مصدرها الحقيقي، وهو الله .. لأنه ينظر إلى الأسباب القريبة المباشرة من قوى طبيعية أو قوى بشرية، فيظنها هي التي تدبر الأمر، وهي التي تمنح وتمنع! أو تنطمس بصيرته فلا يرى فيها إلا المنح والمنع .. ويغفل عن أن لله حكمة وراء ذلك.
فهو تارة كما يصوره القرآن:"وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ، وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ" [1] .
وتارة:"فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ، وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ، كَلَّا" [2] .
والآية هنا ترد عن الحس البشري تبلده إزاء هذه الحقيقة الهائلة .. حقيقة إطلاق الرحمة وإمساكها، فتبين له أنها من عند الله، لا من عند الأسباب الظاهرة من قوى الطبيعة أو من قوى البشر. وأنها لحكمة يريدها الله"وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ". ولكن ذلك لا يتم بطريق التلقين الذهني المجرد .. إنما برحلة هائمة يقوم بها الخيال وينفعل بها الوجدان ..
وإنعام الله على رسوله -صلى الله عليه وسلم- بالنبوة والوحي هو من بين تلك الرحمات التي يفتحها الله فلا ممسك لها، ردًا على تكذيبهم، وعلى قولهم:"وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ، أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ" [3] .
ولكن الصورة أكبر وأشمل من مجرد الرد على المكذبين .. إنها تخاطب الناس عامة .. المؤمنين وغير المؤمنين .. وينفعل بها الوجدان عامة .. بصرف النظر عن تكذيب المكذبين!
"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ".
وبعد الجولة الأولى مع خلق السماوات والأرض، والملائكة أولى الأجنحة مثنى وثلاث ورباع .. والجولة الثانية مع رحمة الله في حالتي إرسالها وإمساكها .. وكلتاهما قد أطلقت الخيال يتملاها، والوجدان ينفعل بها، يقترب من القلب البشري في جولة ثالثة تحملها -كالسابقتين- آية مفردة!
إنه يذكّر الناس بنعمة الله:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ"والنعم ظاهرة وباطنة كما جاء في سورة لقمان، مسبغة على الناس إسباغًا .. فهل من رازق يرزق الناس من السماء والأرض غير الله؟! ألا يستحق الرازق -سبحانه- أن يتوجه له القلب بالحمد، ويتوجه بالطاعة، ويتوجه بالإيمان؟!
(1) سورة هود: 9 - 10.
(2) سورة الفجر: 15 - 17.
(3) سورة الزخرف: 31 - 32.