ولا شك أن من بين مقاصد السياق الرد على المكذبين الذين يكذبون بإرسال جبريل عليه السلام بالوحي إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولذلك قال:"جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا .."ولكن الصورة في ذاتها، والجو الذي تثيره في النفس، بصرف النظر عن تكذيب المكذبين، هي صورة أخاذة، تحرك الوجدان لينفعل بقدرة الله .. فالملائكة خلق شفيف، يتمثل للإنسان دائمًا في صورة أطياف رقيقة شفيفة من النور. ولكن السورة هنا تزيد أنهم عالم واسع متعدد الهيئات، بعضهم من ذوي الجناحين، وبعضهم من ذوي الثلاثة الأجنحة، وبعضهم من ذوي الأربعة الأجنحة .. وحين يتصورهم الإنسان على هذه الصورة -أو هذه الصور المتعددة- أطيافًا من النور، هابطة صاعدة تسبح بحمد الله، وحين ينفعل الوجدان بتلك الصور من أولي الأجنحة"مثنى وثلاث ورباع"يجيء السياق بهذه الحقيقة في موضعها:"يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ"فتفسح الصورة، ولا تقف في الوجدان عند المثنى والثلاث والرباع، ولا عند الملائكة أنفسهم، بصورهم المتعددة هذه .. إنما تنفسح الصورة فتشمل"الخلق"كله، والقدرة التي تزيد في"الخلق"بما تشاء، لا تحدها حدود، ولا يقفها عجز .. فإذا وصل الوجدان مع السياق إلى قوله تعالى"إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"كان قد تهيأ بالفعل لتلقي هذه الحقيقة الهائلة، والانفعال بها بما تستحقه من شعور بعظمة الخالق وجلاله، التي تستدعي أن يتوجه القلب لله بالحمد، ويتوجه بالطاعة، ويتوجه بالإيمان ..
"مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ".
وهذه الآية أيضًا تأتي في سياق الرد على المكذبين بالوحي والنبوة .. ولكنها كسابقتها أعم وأشمل من مجرد الرد على المكذبين. إنها تواجه الوجدان البشري بحقيقة هائلة، يتملاها الوجدان مهتزًا لها، منفعلًا معها، لا يملك نفسه من التأثر بها ..
"مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ .."هكذا، بهذا التعميم الشامل .. الذي يشمل كل شيء، يشمل كل رحمة منزلة من عند الله .. والتعبير بلفظة"ما"يعطي في الحس شمولًا يفوق الحصر .. فمع أن معناها"أي شيء"و"كل شيء"إلا أن كل واحد من التعبيرات الثلاثة يعطي ظلًا معينًا لا يعطيه الآخران."فكل شيء"تفيد الحصر. و"أي شيء"تفيد مفردًا معينًا وإن كان غير محدد .. ولكن"ما"تفيد المعنيين معًا أي: كل شيء بغير تحديد، ومن هنا تعطي في الحس ظلًا للشمول الذي يفوق الحصر!
"مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا"وحين ينفتح الحس مع"ما"فيسيح معها إلى كل مجال من مجالات رحمة الله، التي لا يمسكها الحصر .. فعندئذ يتمم السياق الصورة في الحس. هذه الرحمات التي تمتد في كل مجال، وتشمل كل شيء بغير تحديد .. هذه .. لا ممسك لها! وكأنما السياق يلاحق خيالك وأنت منطلق تعدد مجالات رحمة الله، أو تحاول أن تعددها، فيقول لك: انظر! هذه لا يستطيع أحد أن يمسكها أو يتعرض لها في طريقها .. ولا هذه .. ولا هذه .. ولا هذه .. ! فكلها تجري بإرادة الله العزيز الحكيم، القادر الذي لا يتعرض لقدرته أحد ولا يقف في طريقها!
ثم يمضي معك السياق فيردك إلى عكس الصورة!"وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ".