الصفحة 154 من 379

وأما الختار [1] الكفور فإنه بمجرد وصوله إلى البر ينسى! ينسى نعمة الله بالنجاة، وينسى أنه دعا الله في وقت كربته!"هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ، فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ" [2] "وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ" [3] .

وفي النهاية يجيء ختام السورة المؤثر الشديد التأثير:

"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ، إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ".

هل يستطيع الإنسان أن يقرأ ذلك الختام دزون أن يتأثر؟!

"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا".

إن علاقة الأبوة والبنوة لهي من أعمق العلاقات البشرية كافة، ومن أشدها تأصلًا في النفس. ولو أن أحدًا قدم نفسه فداء لأحد، فربما كان ذلك هو الوالد يفدي ولده .. أو الولد يفدي والده .. ومع ذلك فهناك .. في ذلك اليوم الرهيب تتفكك العلاقات كلها، وينتفي الفداء كذلك .."وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى" [4] "يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَانٌ يُغْنِيهِ" [5] .

فأي هول في ذلك اليوم وأية رهبة!

ألا يستحق ذلك اليوم الرهيب أن يعمل الإنسان حسابه ويعد له عدته؟ ألا يستحق أن يخشاه، فيعمل على النجاة من هوله؟ ولا نجاة إلا بطاعة الله؟

"إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ".

إن هذا اليوم الرهيب الذي يحدث فيه كل ذلك الهول .. إنه حق! كذبتم به أو لم تكذبوا

إنه حق! فلا تغرنكم الحياة الدنيا .. لا يغرنكم ذلك المتاع الزائل الزائف الذي يصدكم الحرص عليه عن سبيل الله .. إنه كله، بكل ما فيه، لا يستحق لحظة واحدة من ذلك الهول الرهيب الذي يلف الناس في ذلك اليوم، فيفصل بين الولد وأبيه وبين الرجل وصاحبته وبنيه! ولا يغرنكم الشيطان الذي يخدعكم، فيصدكم عن الإيمان بالله .. إنه"غَرور".. لقد توعد بأن يفتن بني آدم .. أن يغرهم بمتاع الحياة الدنيا .. أن يزين لهم في الأرض لينساق الناس مع شهواتهم وينسوا ربهم وخالقهم، ولا يكونوا"شاكرين"..

ألا تشعر بجو معين في هذه الآية؟

(1) ختار بمعنى: غدار -من الغدر. والختر أقبح الغدر.

(2) سورة يونس: 22 - 23.

(3) سورة يونس: 12.

(4) سورة فاطر: 18.

(5) سورة عبس: 34 - 37.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت