الصفحة 153 من 379

أما هنا فيقول:"أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ"فكأن الهدف هنا هو أن يريكم من آياته .. ولا تعارض بطبيعة الحال بين أن تكون الفلك تجري في البحر لتبتغوا من فضله، وبين أن تكون تجري ليريكم من آياته .. فهذه وتلك متكاملتان:"لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ"وأيضًا"لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ".. وفي جميع الحالات:"لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ". إنما الذي يلفت النظر هنا أن إجراء الفلك في البحر، الذي يأتي في المواضع الأخرى بصدد تعديد نعم الله على الإنسان لعله يشكر، يأتي هنا بصدد طلبهم آية، وتعليق إيمانهم بأن تنزل عليهم آية .. فهنا ترد بوصفها آية .."إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ".. ويجيء الابتغاء من فضل الله متضمّنا في السياق في كلمة"بنعمة الله"وبذلك يذكر السياق الأمور كلها ولكنه يبرز الآية بصفة خاصة، لأنه بصدد الرد على طلبهم آية .. وذلك من بدائع التنسيق"الفني"في القرآن الكريم ..

أما الوقفة الثانية فعند قوله تعالى:"إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ".

والمقصود: إن في ذلك لآيات لكل مؤمن متعبد .. وقد مر بنا تسوية القرآن بين الشكر والعبادة، وبين الشكر والإيمان .. وهنا تجيء صفة جديدة هي الصبر، مرادفة للإيمان والعبادة ..

جاء في موضع آخر قوله تعالى:"إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ" [1] فكأنما وضع الصبر مكان الإيمان، ودليلًا عليه، حيث جرت العادة أن يقول القرآن:"الَّذِين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ..".

ولكن تعبير:"إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ"يرد مرة أخرى في القرآن بمناسبة الحديث عن السفن في البحر كذلك:"وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ، إِن يَشَا يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ" [2] .

فكأنما هناك علاقة معينة بين السفر في البحر وبين هاتين الصفتين: الصبر والشكر .. وكأنما من أجل ذلك يجعل الصبار الشكور هو الذي يحس بعظم الآية الربانية في إجراء الفلك في البحر بنعمة الله .. ففي البحر بأهواله: في الموج الهادر والريح العاصفة ورجات الفلك -حتى أضخم السفن التي تنشأ اليوم .. في وسط ذلك كله يلجأ الإنسان -حتى الكافر- إلى الله!

"وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ".

ولكن المؤمن فقط هو الذي يصبر على الهول، ثم يشكر الله عند النجاة:

"فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ".

(1) سورة هود: 11.

(2) سورة الشورى: 32 - 33.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت