ويستوقفنا السياق لحظة .. إن إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل وتسخير الشمس والقمر آيات ظاهرة ومعلومة، ومسلّمة عند أولئك العرب المشركين، بصرف النظر عن عدم تأديتها -في حسهم- إلى مقتضاها الطبيعي وهو الإيمان بالله الواحد دون شريك .. أما قوله تعالى:"وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ"فلم يكن على ذات الدرجة من التسليم في حسهم! فالقرآن يحكى عنهم:".. وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ، وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ" [1] وقال عنهم:"أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ" [2] وقال كذلك:"أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ" [3] .
فلم يكونوا إذن مسلِّمين تمام التسليم بأن الله بما يعملون خبير .. ولكن السياق كما قلنا يتجاهل وجودهم، ولا يناقشهم مباشرة .. إنما يخاطب المستمعين عامة:"أَلَمْ تَرَ ..."وإن المكذبين لمن بين المستمعين، ولكنه الآن لا يخاطبهم بأعيانهم .. ومن أجل ذلك يسوق هذه الحقيقة"وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ"بوصفها حقيقة .. سواء كانوا هم مسلِّمين بها، أم كان المسلّمون بها هم المؤمنون وحدهم من بين المستمعين!
ثم آيات أخرى للتوكيد:
"أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ".
وإن في جريان الفلك في البحر لآية من آيات الله المعجزة، ما كان يمكن أن تتم لولا ما أودعه الله من خواصّ في المواد المختلفة التي يتألف منها الكون وتتألف منها الأرض .. فهي ككل شيء آخر في هذا الوجود ناشئة من قدرة الله القادر سبحانه، الذي خلق كل شيء بمقدار .. وهي نعمة من النعم التي لا تحصى، التي أنعم الله بها على الإنسان لييسر له حياته على الكوكب الأرضي ..
ثم نقف وقفتين عند هذه الآية ..
"أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ"..
وفي غير هذا الموضع قال:"وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَاكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" [4] وقال:".. وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" [5] وقال:"رَّبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا" [6] .
(1) سورة فصلت: 22 - 23.
(2) سورة الزخارف: 80.
(3) سورة هود: 5.
(4) سورة النحل: 14.
(5) سورة فاطر: 12.
(6) سورة الإسراء: 66.