الصفحة 151 من 379

نعم .. إننا -بغير وعي منا- ومع إيماننا بقدرة الله التي لا تحدّ -نتوهم أن الخلق المفرد في مئات الألوف من السنين المتوالية أيسر من الخلق الجماعي في اللحظة الواحدة! لأننا -بغير وعي منا- نقيس على قدرتنا نحن البشرية الضئيلة المحدودة! فمن اليسير علينا -مثلًا- أن نبني ألف بيت في سنة، بيتًا وراء بيت، وطابقًا بعد طابق. أما أن ننشئ الألف كلها دفعة واحدة في لحظة فهذا مستحيل! وبهذا القياس غير الواعي نفاجأ لأول وهلة حين نسمع قوله تعالى بأن خلق الأنفس كلها كخلق نفس واحدة! ولكن عجبنا يزول لتوه حين نتيقظ إلى هذه الحقيقة: أن الله يقول للشيء كن فيكون ..

ولكن .. أو تزول الهزة من الوجدان حتى بعد أن يزول منا العجب ونتيقظ إلى الحقيقة؟!

كلا! إن هذه الهزة وجدت لتبقى! ولنستشعر على الدوام عظمة الله وجلاله، وقدرته التي لا تحدّ!

أو لم يمهد السياق لهذه المفاجأة الضخمة بقوله تعالى:"وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ".

وحين يطمئن الوجدان إلى هذه الحقيقة: أن خلق الأنفس المتعددة -في لحظة- كخلق النفس الواحدة، يكون مهيئًا لتقبل الحقيقة الأخرى: أن بعض الأنفس كلها -في لحظة- كبعث نفس واحدة .. وبطريقة واحدة: كن .. فيكون!

ثم آيات أخرى تزيد حقيقة القدرة الربانية المعجزة رسوخًا في النفس:

"أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ".

وولوج الليل في النهار وولوج النهار في الليل ظاهرة نشاهدها يوميًا في غسق الليل وغسق الفجر، حيث يتداخل النور والظلام تدريجًا حتى يغلب أحدهما على الآخر .. وإنها لعجيبة من العجائب الدالة على قدرة الله التي لا تحد .. والعلم يعلمنا أن ظاهرة الليل والنهار منشؤها اجتماع المجموعة الشمسية على ما هي عليه من نظام .. فهي ليست ظاهرة"محلية"في محيط الأرض، ولكنها كونية .. ومع ذلك فإن الإلف والعادة يفسدان تذوقنا لهذه العجيبة الضخمة، وخاصة لدقة انتظامها بحيث يمكن أن نحسبها -فلكيًا- بالساعة والدقيقة والثانية والثالثة (جزء على ستين من الثانية) .. بل بجزء على مائة ألف من الثانية بالحساب الإلكتروني! ومع ذلك تمر هينة على حسنا لأن حسنا تبلد عليها. ولو نظرنا إليها -كما ينبغي- على أنها دليل من دلائل القدرة الربانية المعجزة، لظلت جديدة في حسنا لا يفسدها الإلف، ولتجدد معها على الدوام شعورنا بعظمة الله وقدرته ..

والقرآن على أي حال يلفتنا إليها، ليُذْهِبَ عنا تبلدنا عليها، ويوقظنا إلى دلالتها .. فتطلق شحنتها لحسنا بكاملها ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت