كلا بلا شك! إن الصورة لتعطي المعنى حيًا واسع المساحة، يتملاه الخيال والوجدان، فيتحرك ويصحو، ولا يبقى راكدًا كما يركد المعنى التجريدي في الذهن، وينتهي هناك بلا حراك!
وما كلمات الله؟
إن القرآن بالطبع من كلام الله. ولكنه من حيث عداد الألفاظ محدد ومُحْصى ومعروف. فليس هذا إذن هو المقصود. ولا بد أن يكون المقصود شيئًا آخر، فوق الإحصاء وفوق الحصر ..
إن كلمات الله هي أقداره التي يخلق بها الأشياء:"إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ" [1] والتي يقول بها للشيء كن: فيكون. فهي دلائل قدرته التي لا تحدّ.
وكلماته هي مشيئته الأزلية في اللوح المحفوظ .. الأبدية التي لا تنتهي ولا تنفد .. ولذلك لا يحصيها العد، ولا يكفي لكتابتها البحر الذي تمده سبعة أبحر .. إنما ينفد البحر ولا تنفد الكلمات ..
"إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ".
ومن قدرته التي لا تحدّ هذه الآية:
"مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ".
إن هذه هي القضية التي تشغل المشركين، ويضعونها أمام أنفسهم عقبة تصدهم عن الإيمان! كيف يبعث الله من يموت؟"وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ، أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ" [2] ".. فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ، أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ" [3] .
والقرآن يرد عليهم في مواضع كثيرة يقول لهم إن الذي خلق أول مرة قادر على أن يعيد الخلق. بل هو أهون عليه!:"وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" [4] "أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" [5] .
ولكنه هنا في سورة لقمان يفاجئهم بصورة أخرى للقضية لم ترد في القرآن إلا في هذا الموضع:
"مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ".
وهي مفاجأة تهز الوجدان حقًا وتبهر النفوس! هؤلاء الخلق كلهم .. ملايين الملايين من البشر على مدار الأجيال .. خلقهم كخلق نفس واحدة؟!
نعم ولا شك! لأنه يقول للشيء كن فيكون! إنه -سبحانه- لا يتعب مثلنا في إنشاء الشيء وتركيبه قطعة قطعة! إنما بتوجه المشيئة يتم الخلق .. كن .. فيكون! فيستوي أن يكون خلقًا واحدًا مفردًا! أو يكون عدة ملايين! كلاهما يتم بطريقة واحدة .. بلا تعب ولا جهد:"وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ" [6] .
وإنه حين يتضح لنا الأمر بهذه الصورة، ونتبين هذه الحقيقة الواضحة، نعود فنعجب لأنفسنا! كيف عجبنا حين فاجأتنا هذه الآية، كأن القضية جديدة على حسنا!!
(1) سورة القمر: 49.
(2) سورة سبأ: 7 - 8.
(3) سورة ق: 2 - 3.
(4) سورة الروم: 27.
(5) سورة يس: 81 - 83.
(6) سورة البقرة: 255.