"لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ، وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ، أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ، وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ".
إن الحديث في هذه الآيات كلها عام للناس جميعًا .. ولكنه في الحقيقة مناقشة للمكذبين المنكرين، الذين يرفضون أن يتبعوا ما أنزل الله ويقولون، بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا .. مناقشة لا يشتركون فيها هم! إنما يناقشون غيابيًا! ليقتنع بقية الناس -الحاضرين- ويؤمنوا، وليزداد المؤمنون منهم إيمانًا. أما هم -المكذبون- فهم موجودون قطعًا بين المستمعين! ولكن السياق يتجاهل وجودهم، ويناقشهم -كما قلنا- غيابيًا .. أي يعرض قضيتهم، ويقدم الردود الحاسمة القاطعة عليها، دون توجيه كلام مباشر إليهم. وتلك طريقة من طرق التوجيه ذات مفعول تربوي مثمر! يكون من نتيجتها أن بعض هؤلاء المعاندين على الأقل يغير موقفه الداخلي، ويقتنع بالحق، ما دام أن أصبع الاتهام ليست موجهة إليه هو بالذات!
"لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ".
وهذا تقرير يراد به أن ينشئ مشاعر إيمانية .. إنه ليس"كمعلوماتهم"الباردة التي يعلمونها:"وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ"وإنما هو تأسيس جديد، لبناء العقيدة الصحيحة الراسخة.
"وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ".
إنها صورة رائعة يحاول الخيال أن يتملاها!
نقول"يحاول"لأنه لن يستطيع ذلك أبدًا .. وسيكف بعد قليل عن المتابعة!
وإلا فجرب أن تطوف بخيالك في كل الأرض، تنتزع منها شجرة شجرة حتى تأتي على كل ما فيها من أشجار، ثم تصنع من كل شجرة ما يمكن أن يصنع منها من أقلام .. قم تجيء إلى البحر، فنجعله مدادًا للكتابة .. ثم نجد أن البحر ليس وحده، إنما وراءه سبعة أبحر تمده ..
هل استطعت أن تستوعب الصورة وتحصيها؟! أم إن خيالك قد اكتفى ببضع شجرات رمزًا للشجر كله، ويضع مرات من غمس الأقلام في البحر رمزًا للاستمداد كله؟
ثم ماذا بعد أن يطوف خيالك ذلك الطواف الواسع، يقلم الأشجار جميعًا، ويصنعها أقلامًا، ويستمد مداده من البحر الذي وراءه سبعة أبحر؟
"مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ".
إن المعنى أن كلمات الله من الكثرة بحيث لا تحصى .. ولكن هل هذا التعبير الذهني التجريدي يحرك من نفسك ما تحركه تلك الصورة المبدعة للأشجار والأقلام والمداد والبحار؟!