الإيمان إذن هو اتباع ما أنزل الله. وهو الذي يقتضيه العلم الحق بالله. فأما هؤلاء الذين يجادلون بغير علم فيرفضون اتباع ما أنزل الله، ويقولون: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا! فمن المعبود إذن؟! الله أم آباؤهم؟!
وهنا يفاجئنا السياق، ونحن ننظر إليهم وإلى آبائهم على أنهم الوحيدون في الصورة، فإذا الحقيقة أنهم ليسوا وحدهم!
"أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ".
يا للمفاجأة! إن إصرارهم إذن على رفض اتباع ما أنزل الله، وقولهم: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، هو في الحقيقة استجابة لنداء الشيطان، الذي برز في الصورة فجأة، ولم يكن ظاهرًا من قبل! وإلى أين يدعوهم، وهم مستسلمون هكذا ومستجيبون؟ إنه يدعوهم إلى عذاب السعير!
يا للعجب! ويا للسخرية! الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير فيستجيبون له بهذه السهولة؟! والله يدعوهم إلى الجنة فيرفضون؟!
"وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ، وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ ...".
إن هناك من يؤمن. من يسلم وجهه إلى الله وهو محسن. ذلك هو الإيمان والإسلام. التسليم الكامل لله، والإحسان .. الذي جاء ذكره في أول السورة بأوصافه:"هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ". وأولئك يستمسكون بالعروة الوثقى، فلا يلتفتون لنداء الشيطان، ولا يستطيع الشيطان أن يستزلهم منها .. لأنه لا يقدر على من استمسك بالعروة الوثقى، ويعلم أن كيده بالنسبة إليه ضعيف! أما من كفر -والخطاب موجه للرسول- صلى الله علهي وسلم- فلا تحزن على كفره .. إن أمده قريب. إنه راجع إلى ربه فموفيه حسابه بعذاب"غليظ"، فلا ينفعه ذلك المتاع القليل الذي أتيح له في الدنيا!
"وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ".
نضطرهم .. فهم لن يذهبوا إلى العذاب مختارين! ومن ذا الذي يرى العذاب ثم يرغب أن يدخل فيه؟! ولكنهم يدفعون إليه دفعًا يضطرهم إلى الذهاب! ثم إنه عذاب"غليظ"! والمفارقة واضحة بين النعيم الذي يتمتعون به في الأرض -إملاء من الله- والعذاب"الغليظ"الذي ينتظرهم هناك!
"وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ".
إذن فهم يعرفون أن الله هو الخالق! ولكنها المعرفة الذهنية الباردة الميتة التي لا تنشئ شعوراَ ولا سلوكًا .. ومن ثم فمعرفتهم والجهل سواء .. وهم"لا يعلمون"ّ!
"قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ".