الصفحة 147 من 379

إنها"أخلاقيات لا إله إلا الله"يعظ بها لقمان المسلم ابنه .. إنه لا إسلام بغير أخلاقيات .. ولا إيمان بغير سلوك عملي في واقع الحياة .. سلوك ينظر إليه الناس فيقولون: هذا من أثر الإيمان!

يلفت نظرنا أن من وصايا لقمان لابنه"وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ".. إن هذه أيضًا من أخلاقيات لا إله إلا الله، بجانب الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهو لا يحدد"ما أصابك"إن كان بسبب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، (وإن كان ذكره بعدهما يوحي بذلك) .. أو كان عامًا، من قضاء الله وقدره، فهذا وذاك هما من قضاء الله وقدره، والصبر على القضاء هو من أخلاقيات لا إله إلا الله. ولكن السياق يعطينا إيحاء واضحًا: إنه ليس الصبر الخانع الذي يستذل الإنسان ويهده فيقعد عن العمل والجهاد! كلا! إنه يقول:"إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ"فهو الصبر الذي يعطي العزيمة ويقويها، وليس هو الذي يوهن العزيمة ويضعفها.

وينتقل السياق مرة أخرى من وعظ لقمان لابنه إلى حديث مباشر من الله سبحانه وتعالى للبشر كافة، أو للمكذبين من قريش خاصة:

"أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ، وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ، وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ، وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ".

"أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً".

"أَلَمْ تَرَوْا"يعني أن الأمر واضح .. وإنه كذلك .. فما من أحد يعمى عن تسخير ما في السماوات والأرض للإنسان إلا أن تكون قد عميت بصيرته وانطمست .. وهذه النعم السابغة ظاهرة وباطنة .. يعجز الإنسان عن إحصائها"وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا" [1] .

ويستوقفنا التعبير:"وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً"كأنه ثوب يكسو الإنسان من أوله لآخره .. ولكنه ثوب عجيب يكسو الظاهر والباطن أيضًا في ذات الوقت! ومع ذلك فالناس لا يشكرون الله ولا يعبدونه حق عبادته:

"وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ".

والعلم الحق بالله لا بد أن يؤدي إلى الإيمان. فهؤلاء الذين يجادلون في الله يجادلون بغير علم ولا هدى، ولا يستندون إلى كتاب رباني يستخرجون منه الحقائق ..

"وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا ..".

(1) سورة النحل: 18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت