الصفحة 146 من 379

كذلك هنا .. لولا كلمة"يا بني"ما شعرت أن المتكلم في السياق قد تغيّر! لأن لقمان يبدأ من حيث انتهى السياق السابق تمامًا، فيتحدث عن إنباء الله للبشر بما كانوا يعملون، ولو كان مثقال حبة من خردل!

ما دلالة هذا؟!

لقد سار السياق هكذا: ولقد آتينا لقمان الحكمة ... وإذ قال لقمان لابنه ... ووصينا الإنسان بوالديه ... يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل ...

أي أن هناك انتقالًا مستمرًا -حتى الآن- من سياق يكون المتكلم فيه هو الله سبحانه وتعالى، إلى سياق يكون المتكلم فيه هو لقمان .. فما دلالة ذلك؟

أما أنها من الوجهة الفنية جميلة، فلا شك في ذلك! ولا شك في أن المشهد هكذا أحفل بالحركة والإيحاء.

أما الدلالة فالذي يحضرني الآن منها -والله أعلم بما يريد- أن ما ينطق به البشر من حكمة، سواء كانوا أنبياء كما في قصة موسى، أو مجرد حكماء كما في قصة لقمان، هو من إيحاء الله .. فستوي أن ينزله الله مباشرة أو يُنْطِقَ به بعض خلقه .. ومن ثم يجيء الكلام متداخلًا، لأن هذا وذاك من عند الله، ومن مراد الله الذي يريد -سبحانه- أن يبلغه لعباده ..

ونعود إلى الصورة ذاتها التي ترسمها الآية .. إنها من أروع الصور في القرآن ..

"يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَاتِ بِهَا اللَّهُ ...".

إن علم الله الشامل الدقيق الذي لا يند عنه شيء في السماوات ولا في الأرض، يأتي مصورًا في صور رائعة في القرآن تهز الحس البشري هزًا وتوقظه من سباته. وهذه من أروع الصور جميعًا .. تصور مثقال حبة من خردل! أي ثقل لها وأي حجم؟! وهي ليست مكشوفة حتى تراها العين المدققة-ولو بمنظار مكبر! - إنها في صخرة! وكم من ملايين الملايين من الصخور في الأرض؟! ففي واحدة من هذه الصخور التي لا تحصى توجد حبة الخردل! أو في السماوات! هكذا على إطلاقها! في سماء من السماوات .. وما أوسع السماوات! إن السماء الدنيا وحدها، المزينة بالمصابيح، يلهث العلم حتى اليوم وراء أبعادها فيعد من نجومها الملايين .. ثم يقول هذا نجم تفصل بيننا وبينه أربعة آلاف سنة ضوئية! أي أن الضوء -البالغ السرعة [1] - يقطع المسافة بيننا وبينه في أربعة آلاف سنة .. ثم يقول العلم إن هذا آخر ما وصل إليه الإنسان ولكن في الكون مزيد! وحبة الخردل في واحدة من السماوات! أو في الأرض! مختفية في الأرض غير ظاهرة للنظر إطلاقًا .. وانظر إلى حجم الأرض وحجم حبة الخردل .. وانظر كم من ملايين الملايين من مثل حبة الخردل يمكن أن يختفي في الأرض فلا يبين .. ولكن الله يأتي بها يوم القيامة ..

"إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ"لطيف أي يحيط علمه بأدق الأشياء وأخفاها ..

وهل بقي لديك شك في هذه الحقيقة بعد الإتيان بحبة الخردل من الصخرة أو من السماوات أو من الأرض؟!

كلا! ما يطيق الوجدان بعد هذه الروعة الهائلة أن يشك، إلا أن يكون مطموس البصيرة مغلق الروح ..

ويستمر السياق -من هنا- على لسان لقمان يعظ ابنه:

"يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَامُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ، وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ، وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ".

(1) سرعة الضوء هي 300000 كيلو متر في الثانية!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت