الصفحة 145 من 379

وفي آية واحدة دقيقة التركيب، يذكر شكر الله مقدمًا على شكر الوالدين، وشكر الأم مقدمًا على شكر الأب، بطريقة"فنية"موحية، لا باللفظ المباشر .. وذلك من الإعجاز ..

"وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا".

وهذا أمر جازم لا سبيل إلى مخالفته .. ومهما يكن من أمر البر بالوالدين، الذي يتكرر كثيرًا في القرآن، فإن البر بهما يأتي دائمًا تاليًا لعبادة الله .. فعبادة الله وعدم الإشراك به مقدمة على كل شيء على الإطلاق. ولا يطاع في مخالفتها أي أحد على الإطلاق. ولكن السياق هنا في مكة يأمر باستمرار مصاحبتهما بالمعروف رغم ذلك.

".. فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا".

ويلفت نظرنا أن الأمر المشابه لذلك، الوارد في الآيات الأولى من سورة العنكبوت، وهي آيات مدنية في سورة مكية، لم تأمر -في المدينة- بهذه المصاحبة!"وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" [1] فالأمر بالمصاحبة بالمعروف كان في المجتمع المكي، الذي لم ينفصل فيه المسلمون انفصالًا حسيًا، إنما كانت مفاصلة شعورية فحسب. أما في المدينة فقد انفصل المجتمع المسلم انفصالًا كاملًا وصار له تميزه الحسي والمعنوي ..

".. وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ".

لا تطعهما حين يأمرانك بالشرك، واتبع سبيل من أناب إليّ .. فهذا السبيل هو الذي ينبغي اتباعه، مهما جاء الأمر بمخالفته من أقرب الأقربين .. وفي النهاية تكون إلى الله الرجعى، فينبئ الإنسان بما كان يعمل، ويحاسبه بمقتضى عمله في الحياة الدنيا .. وتلك الرجعى هي التي تقرر مصير الإنسان، فهي الأولى بالاتباع ..

ثم تحدث مفاجأة في السياق قد تمر عليها كثيرًا دون أن نلحظها للطفها ودقتها!

"يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَاتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ".

إن المتكلم هنا هو لقمان .. عاد ليكمل موعظته لابنه بعد أن أوصاه بعدم الشرك لأن الشرك ظلم عظيم .. ولكن الكلام يأتي متصلًا بعد قوله تعالى:"ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ"بطريقة قد لا نلحظ معها تغير المتكلم في الآيتين! فالمتكلم في الآية الأولى هو الله سبحانه وتعالى، والمتكلم في الثانية هو لقمان .. ولكن الكلام يجري جريانًا واحدًا كأنه سياق واحد لمتكلم واحد!

مثل هذا تجده في سورة طه:"قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى، قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى، قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى، قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى".

فأين انتهى كلام موسى لفرعون، وأين بدأ الكلام الموجه من الله سبحانه وتعالى للبشر جميعًا؟ إنك لا تحس بتغير المتكلم حتى تصل إلى لفظة"فأخرجنا"التي يتضح فيها أن المتكلم هو الله سبحانه وتعالى.

(1) سورة العنكبوت: 8.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت