"وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ".
إن الظلم والكفر في اللغة من معنى واحد هو التغطية والستر. ثم غلب استخدام الكفر بمعنى ستر الحق الرباني والتغطية عليه .. أي الكفر بعبادة الله. والظلم بمعنى الافتئات على الحق بصفة عامة. والقرآن يستخدمه في كثير من المواضع بمعنى الكفر سواء.
والشرك هو أعظم الظلم سواء بمعنى التغطية على الحق الرباني وحجبه، أو بمعناه الاصطلاحي وهو الافتئات على الحق، فالمشرك يظلم نفسه أول ما يظلم، إذ يوردها مورد الهلاك في النار.
ثم يستمر السياق، كأنما يكمل الآية الأولى التي أوتي فيها لقمان حكمة الشكر لله:
"وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ".
إنه استمرار للموعظة التي لُقِّنها لقمان .. ولكنها هنا توجه للإنسان كافة: أن يبر والديه. ولكن يستوقفنا في الوصية أمران:
الأمر الأول هو الجملة المعترضة:"حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ".. لقد كانت الوصية للوالدين معًا، ولكن الأم وحدها هي التي سميت من بين الوالدين! ولذلك دلالته الواضحة بطبيعة الحال. فلئن كانت الوصية لكلا الوالدين، أن يبرهما الإنسان، فإن الأمر ببر الأم أشد، لأنها هي التي خصها السياق بالتسمية، وبالحديث المفصل، وبذكر موجبات البر، فقد حملته وهنا على وهن -والتعبير يشير إلى الوهن المتزايد كلما تقدم الحمل- ثم أرضعته عامين كاملين، وفي ذلك من الجهد المضني ما فيه، مما يستوجب زيادة البر. ولقد ذهب رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسأله: من أولى الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من. قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك [1] . والحديث يفسر الآية أدق تقسير.
أما الأمر الثاني -بصرف النظر عن هذه الجمة المعترضة -فهو أن السياق يبدأ بقوله تعالى:"وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ"ولكنه عندما ينص على الوصية يقول:"أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ"! أي أن السياق يمضي هكذا بغير الجملة المعترضة: ووصينا الإنسان بوالديه، أن اشكر لي ولوالديك. إليّ المصير .. ! وكأنما الوصية بالوالدين هي شكر الله أولًا ثم شكر الوالدين!
إن هذا من لطائف التعبير القرآني ذات الدلالة!
في سورة الإسراء قال مباشرة:"وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا .." [2] .
وهنا يقول نفس المعنى ولكن بهذه الطريقة الموحية، التي تجعل الوصية بالوالدين تمر بشكر الله أولًا قبل شكر الوالدين. وفي ذلك دلالة واضحة بطبيعة الحال على أن شكر الله ينبغي أن يسبق كل عمل على الإطلاق؛ ولكن هناك دلالة أخرى ينبغي أن تكون واضحة لنا، هي أن كل"أخلاقيات"الإسلام، هي ميثاق بين الإنسان وبين الله مباشرة. فهي تصل للآخرين من خلال صلة الإنسان بالله. فأخلاقيات الإنسان نحو والديه -وهي البر بهما- تصل إلى الوالدين من خلال شكر الإنسان لربه -أي عبادته. وكذلك أخلاقيات أي أمر من الأمور. فالصدق مع الناس هو لله أولًا ثم للناس. والوفاء بالعهد هو لله أولًا ثم للناس .. وهكذا وهكذا .. كل عمل يتصل فيه الإنسان بالآخرين، فهو صلة بالله أولًا ثم بالآخرين ..
"إِلَيَّ الْمَصِيرُ".
وما دام المصير لله لا لأحد آخر، فإليه تقدم العبادة وإليه يقدم الشكر. وعن طريق الصلة به يمر الشكر للوالدين!
(1) رواه البخاري في كتاب الأدب.
(2) سورة الإسراء: 23.