وهنا يخطر على البال ما قاله الشيطان متوعدًا بني آدم:"قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ، ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ" [1] .
فالشكر والإيمان صنوان. والكفر وعدم الشكر صنوان ..
وليس الشكر كلمة تقال باللسان: شكرًا لك يا رب! كما أن الإيمان ليس كلمة تقال باللسان: أشهد أن لا إله إلا الله!
كلا! إن الشكر سلوك عملي، كما أن الإيمان سلوك عملي:"اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ" [2] .
إن الله قد منح الإنسان جسدًا. وشكر هذه النعمة أن يعمل بجسده في طاعة الله لا في معصيته.
والله قد منح الإنسان عقلًا مفكرًا. وشكر هذه النعمة أن يعمل بفكره في طاعة الله لا في معصيته.
والله قد منح الإنسان بصرًا. وشكر هذه النعمة أن يستخدم بصره في طاعة الله لا في معصيته.
والله قد منح الإنسان سمعًا. وشكر هذه النعمة أن يستخدم سمعه في طاعة الله لا في معصيته.
والله قد منح الإنسان مالًا. وشكر هذه النعمة أن يستخدم ماله في طاعة الله لا في معصيته.
وهكذا .. وهكذا .. مئات وألوف من النعم"وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا" [3] ..
ومئات وألوف من الطاعات هي الشكر على هذه النعم .. وفي النهاية يصبح الشكر هو العبادة الحقة، وهو اتباع ما أنزل الله!
ومن هنا نفهم خطوة التهديد الشيطاني لبني آدم:"وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ"أي لا تجد أكثرهم عابدين .. أي لا تجد أكثرهم متبعين لما أنزل الله .. ونفهم كذلك الجهد الشيطاني الضخم المبذول لهذه الغاية:"لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ، ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ".
"وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ".
إن الله غني عن عبادة العباد وعن شكرهم! ومن تولى عن عبادة الله وعن شكره فلن يضر الله شيئًا. ومن أقبل عليه شاكرًا عابدًا فلم يفيد الله سبحانه بشيء!"مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ" [4] .
إنما يشكر الإنسان لنفسه، ويعبد لنفسه .. لأنه هو الكاسب في النهاية حياة مستقيمة نظيفة طيبة في الدنيا، وحياة منعمة في الخلد يوم القيامة:"وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ" [5] "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" [6] .
وقد وعى لقمان الحكيم هذه الحكمة وعيًا عميقًا، فاستقامت نفسه على شكر الله وعبادته، وقام يعظ ابنه بما وعظه به ربه ووعاه قلبه:
(1) سورة الأعراف: 16 - 17.
(2) سورة سبأ: 13.
(3) سورة النحل: 18.
(4) (( سورة الذاريات: 57 - 58.
(5) سورة العنكبوت: 6 - 7.
(6) سورة النحل: 97.