الصفحة 142 من 379

"وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ، وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ، وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ، وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ، يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَاتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ، يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَامُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ، وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ، وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ".

إن قصة لقمان الحكيم، الذي سميت السورة باسمه، تستغرق جزءًا رئيسيًا من السورة .. ولكنها تجيء في مكانها من السورة مرتبطة تمامًا بما قبلها، كأنها امتداد له ..

إن السياق من قبل يعرض صورًا من الكون يهز بها القلب البشري، ليرى عظمة الخالق، فيخبت له ويخشع .. ولكن"الظالمين"لا تتفتح بصيرتهم لآيات الله في الكون، ولا لنعم الله السابغة، في خلق السماوات والأرض والرواسي التي تحفظ توازن الأرض فلا تميد، والدواب المبثوثة، والماء النازل من السماء لينبت من كل زوج كريم .. لأنهم في ضلال مبين ..

فهذه قصة واحد من خلق الله لا كأولئك الظالمين .. تفتحت بصيرته لتلك الآيات وهذه النعم فاستجاب لله فشكر .. وراح يوصي ابنه كذلك أن يكون من العابدين الشاكرين، ولا يكون من الظالمين ..

إنه نموذج مقابل .. يعرض -في مكانه من السياق- ليعطي شيئين في آن واحد:

يعطي الصورة الصحيحة التي ينبغي أن يكون عليها عباد الله، مخبتين لله عابدين شاكرين ..

ويظهر المفارقة الضخمة في سلوك أولئك الذين لا يقدرون الله حق قدره، ولا يعبدونه حق عبادته، وبصفة خاصة ذلك الذي يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوًا، وإذا تتلى عليه آيات الله ولى مستكبرًا كأن لم يسمعها!

إنهما صورتان متقابلتان تمامًا ..

هذا"يشتري"الهدى الرباني .. وهو الحديث الجادّ الحكيم الموصل إلى كل خير .. وذاك يشتري لهو الحديث ..

وهذا يشتري الهدي ليهدي ابنه، وغيره وذاك يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله ..

وهذا يتخذها موعظة وحكمة .. وذاك يتخذها هزوًا ...

وهذا تتلى عليه الآيات فيقبل عليها بكل قلبه مخبتًا خاشعًا مطيعًا .. وذاك تتلى عليه الآيات فيولي مستكبرًا كأن لم يسمعها!

هل بقي شيء في الصورتين لم يوضع موضع التقابل الكامل التفصيلي؟!

"وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ".

إن هذه هي خلاصة الحكمة: أن أشكر لله ..

والقرآن كثيرًا ما يعبر عن العبادة بالشكر .. وإنها لكذلك .. فلن يشكر قلب لله حق شكره حتى يكون قد عبده حق عبادته .. ولن يعبده حق عبادته حتى يكون قد شكره على كل نعمة أنعمها عليه ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت