الصفحة 141 من 379

وما يمكن أن نمر بذلك التعبير العجيب الموحي:"مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ"دون أن يستوقفنا .. وقد يخطر في قلب البشر أن يوصف النبات بأي وصف .. من زوج بهيج كما جاء في سورة الحج وسورة ق:".. وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ" [1] ."وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ" [2] أو".. حَبًّا وَنَبَاتًا، وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا" [3] أو:".. حَبًّا، وَعِنَبًا وَقَضْبًا، وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا، وَحَدَائِقَ غُلْبًا، وَفَاكِهَةً وَأَبًّا" [4] .. الخ. أما ذلك الوصف"مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ"فما أظنه خطر على قلب بشر قبل أن ينزل هذا القرآن! وما زال القرآن يتلى كل يوم، وما زال هذا الوصف يوقظ الحس كل مرة كأنه جديد!

"كريم"لأنه من عمل أيد كريمة:"وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَاكُلُونَ، وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ، لِيَاكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ" [5] "أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ" [6] .

وكريم لأنه طيب طاهر ..

وكريم لأنه يعطي .. يعطي أضعاف ما يأخذ! الحبة تنبت سبعمائة حبة!!

"هَذَا خَلْقُ اللَّهِ".

"هذا".. على الاتساع .. من أول السماوات إلى الأرض .. إلى الجبال .. إلى"كل دابة". إلى"كل زوج كريم".."هذا خلق الله"! وما يشك أحد من قبل أن هذا خلق الله .. وما كان العرب المشركون ينكرون ذلك .. ولكن التعبير مع ذلك يفاجئ الحس كأنه جديد! ويزيل عن الوجدان تبلده المعهود .. ويهزه -بهذه المفاجأة- ليتأمل هذا الكون من جديد! وإذا يبلغ الانفعال هذا المدى، يفاجأ الحس بحقيقة أخرى:

"فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ".

حقا! ماذا خلق الذين من دونه؟! وما كان العرب يزعمون أن هناك خالقًا من دون الله -وإن كانوا يغفلون عن دلالة ذلك- ومع ذلك فإن التعبير له هزة لا ينجو الحس منها! ويروح الإنسان يتفقد الكون كأنما يبحث حقًا عن شيء في هذا الكون خلقه"الذين من دونه"! والنتيجة معروفة سلفًا .. ولكن التعبير يعمق إحساس الإنسان بالحقيقة الأولى:"هذا خلق الله"ويبرزها بكل جلائها لتعمل عملها في داخل النفس. ولا تكون مجرد"معلومات"في الذهن، بل وجدانات متحركة في القلب، تشعر بعظمة الخالق، وتفرده سبحانه بالخلق .. وبما ينبغي لعظمته وجلاله من خشوه وطاعة وتسليم.

"بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ".

فما يغفل عن هذه الحقائق كلها .. وما يُصِمّ قلبه عن إيقاعاتها .. إلا شخص مطموس البصيرة .. وإلا شخص"فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ".

(1) سورة الحج: 5.

(2) سورة ق: 7.

(3) سورة النبأ: 15 - 16.

(4) سورة عبس: 27 - 31.

(5) سورة يس: 33 - 35.

(6) سورة يس: 71.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت